تعتبر السينما الشعرية من أكثر التجارب الفنية جرأةً وتحديًا، حيث تسعى إلى ترجمة جماليات اللغة الشعرية إلى لغة الصورة والضوء. لطالما كانت الحكاية هي الأساس في الفيلم الروائي الطويل، لكن بعض المخرجين الشجعان قرروا كسر هذه القاعدة واستكشاف إمكانية بناء فيلم كامل على أساس قصيدة، مستلهمين من إيقاعها وصورها الرمزية. هذا المقال يستكشف كيف تعاملت السينما مع الشعر، وما هي التحديات التي واجهت هذا المسار الاستثنائي، مع التركيز على ثلاث تجارب رائدة في هذا المجال.
القصيدة كمادة خام للفيلم: تحدي التحويل البصري
لطالما كانت الرواية هي المادة الأولية لصناعة السينما، فهي توفر حبكة متينة وشخصيات واضحة وتسلسلًا زمنيًا محددًا. بينما يختلف الشعر في طبيعته، فهو أكثر تكثيفًا وانفتاحًا على التأويل، مما يجعله مادة عصية على التحويل إلى حكي بصري مباشر. فالشعر لا يقدم سردًا خطيًا، بل يلمح ويشير ويلامس المشاعر بطرق غير مباشرة.
إلا أن هذا لم يمنع بعض السينمائيين من المخاطرة ومحاولة ترويض القصيدة لتناسب الشاشة. السؤال الجوهري الذي طرحوه هو: هل تحتاج السينما حقًا إلى حكاية؟ وهل يمكن للإيقاع واللغة والصورة أن يتعاونوا معًا لإنشاء تجربة سينمائية فريدة من نوعها؟ هذا التساؤل قاد إلى ظهور ما يمكن تسميته بـ أفلام مقتبسة من الشعر، والتي لا تسعى بالضرورة إلى سرد القصيدة، بل إلى تجسيد عالمها الداخلي وحساسيتها الفنية.
“عواء” غينسبيرغ: قصيدة تتحول إلى بيان بصري
نشر الشاعر الأمريكي آلان غينسبيرغ قصيدته “عواء” (Howl) عام 1956، لتلقى استقبالًا صاعقًا وتعتبر بمثابة بيان ثقافي لجيل كامل. القصيدة تتميز بلغة حرة، متدفقة، وصادمة، تعكس الجنون والتمرد والرفض للقيم التقليدية في أمريكا الخمسينيات. تبدأ القصيدة بعبارة الشهيرة: “رأيت أفضل عقول جيلي تدمر بالجنون”.
في عام 2010، قدم روب إيبستاين وجيفري فريدمان فيلم “عواء” (Howl)، الذي يعتبر تجربة سينمائية فريدة من نوعها. الفيلم لا يقتصر على سرد القصيدة، بل يغوص في عالمها من خلال ثلاثة مسارات متداخلة: إلقاء شعري للقصيدة بصوت جيمس فرانكو، وإعادة تمثيل لمحاكمة القصيدة بتهمة الفحش، وتجسيد بصري لمقاطع من القصيدة نفسها.
هنا، لم تكن الصورة هي التي تقود العمل، بل النص الشعري هو الذي وجه المخرجين. اكتفوا بالترجمة البصرية للقصيدة دون محاولة تفسيرها أو تبسيطها، مما جعل القصيدة هي البنية الأساسية للفيلم. الناقد الأمريكي “إيه. أو. سكوت” وصف الفيلم بأنه “لا يحاول تفسير غينسبيرغ بقدر ما يضعنا داخل صوته ولحظته التاريخية”.
“الأرض اليباب” لإليوت: تجسيد البنية المتكسرة
تعتبر قصيدة “الأرض اليباب” (The Waste Land) للشاعر تي. إس. إليوت، التي نشرت عام 1922، من أهم نصوص الحداثة الشعرية. تتميز القصيدة بتركيبها المعقد وتعدد أصواتها، وتعكس حالة الانهيار والضياع التي سادت العالم بعد الحرب العالمية الأولى. طالما وصفت القصيدة بأنها “غير قابلة للتجسيد” نظرًا لبنيتها المتفتتة ورموزها الغامضة.
لكن المخرج البريطاني ديريك غارمان تحدى هذا الاعتقاد وقدم فيلمًا يحمل نفس العنوان عام 1987. لم يحاول غارمان تبسيط القصيدة أو تحويلها إلى قصة مفهومة، بل نقل بنية النص الشعرية المتكسرة بأمانة إلى الشاشة. الفيلم يتكون من مشاهد قصيرة، وأصوات متداخلة، وشخصيات عابرة، وأزمنة غير مستقرة، مما يعكس حالة الضياع والارتباك التي تعبر عنها القصيدة.
الفيلم لا يروي القصيدة، بل يضع المشاهد أمامها، كما لو كانت يقرأها للمرة الأولى. مجلة “سايت أند ساوند” (Sight & Sound) أشادت بتجربة “الأرض اليباب”، واعتبرتها “حولت الحداثة إلى صور متحركة”.
“لون الرمان” لباراجانوف: قصيدة سينمائية خالصة
تجاوز المخرج السوفيتي سيرغي باراجانوف حدود التقليد في فيلمه “لون الرمان” (The Color of Pomegranates) عام 1969، المستوحى من قصائد الشاعر الأرمني سايات نوفا. تتميز قصائد نوفا بالرمزية والاستعارة واللغة الطقسية، وتخلو من السرد التقليدي والتطور الزمني.
لم يقدم باراجانوف سيرة ذاتية للشاعر، بل حول قصائده إلى مشاهد بصرية مذهلة. كل لقطة في الفيلم تبدو وكأنها بيت شعري، بألوانها الكثيفة وحركاتها البطيئة ورموزها الدينية والثقافية وصمتها الطويل. الفيلم أحدث ضجة كبيرة في ذلك الوقت، واصطدم بالرقابة السوفيتية، لكنه أعيد اكتشافه فيما بعد واعتبر تحفة فنية. الناقد الفرنسي سيرج دانيه وصف الفيلم بأنه “لا يشاهد بل يقرأ كما تقرأ القصيدة”.
السينما الشعرية: مسار استثنائي أم اتجاه مستقبلي؟
تُظهر هذه التجارب الثلاث أن تحويل القصيدة إلى فيلم ليس أمرًا مستحيلاً، ولكنه يتطلب من السينمائي التخلي عن منطق الحكاية التقليدية والتمسك بمنطق الصورة والإيقاع والرمز. هذا الخيار الجمالي قد يجعل الفيلم أقل جاذبية للجمهور العريض، ولكنه يفتح آفاقًا جديدة للتعبير الفني واستكشاف إمكانات السينما كشكل من أشكال الفن التجريبي.
هل ستظل السينما المستوحاة من الشعر مسارًا استثنائيًا أم ستتحول إلى اتجاه مستقبلي؟ هذا سؤال مفتوح، لكن المؤكد هو أن هذه التجارب الرائدة قد ألهمت العديد من المخرجين لاستكشاف إمكانية دمج الشعر في أعمالهم السينمائية، مما يثري المشهد السينمائي ويوسع حدود الإبداع.















