رحلة الفنانة مليحة قنطارجي في عالم التذهيب: الحفاظ على تراث عريق ونقله للأجيال القادمة

في كثير من الأحيان، لا تبدأ مسيرة الفنان من مقاعد الدراسة أو ورش العمل، بل قد تنطلق من شرارة فضول بسيطة. هذا ما حدث للفنانة التركية مليحة قنطارجي مع فن التذهيب، حين قادها خبر عابر قرأته في صحيفة خلال سنوات دراستها الجامعية إلى عالم سيصبح محور حياتها الفنية والتربوية. لم تكتفِ قنطارجي بإتقان هذا الفن الإسلامي العريق، بل كرست نفسها للحفاظ عليه وتعليمه للأجيال الجديدة، بعد رحلة طويلة من التعلم والصبر والعمل الدؤوب. هذا المقال يسلط الضوء على مسيرتها الملهمة، التحديات التي واجهتها، ورؤيتها المستقبلية لهذا الفن الجميل.

بداية الشغف: اكتشاف عالم التذهيب

تعود جذور قصة الفنانة مليحة قنطارجي مع التذهيب إلى سنوات دراستها الجامعية في أنقرة. لطالما كانت تبحث عن وسيلة للتعبير عن شغفها الداخلي بالفن. بعد دراسة الحرف اليدوية في المرحلة الثانوية، والتي لم تكن كافية لإشباع هذا الشغف، التحقت بقسم تعليم الحرف اليدوية في جامعة غازي عام 1995.

هناك، لفت انتباهها إعلان صغير عن افتتاح “توركواز للفنون الجميلة”، وهو مرسم يقدم دروسًا في فنون الإبرو (الرسم على الماء)، والخط، والمنمنمات، بالإضافة إلى التذهيب. بدافع الفضول، زارت قنطارجي المرسم، ووجدت نفسها في بيئة فنية محفزة، حيث كان الفنان عمر فاروق أتاباي يقدم دروسًا أيضًا.

في هذا المرسم، تلقت قنطارجي دروسًا في فن التذهيب على يد الفنانة محسّنة أقباش، وهي تلميذة جيجك درمان، إحدى أبرز الأسماء في تاريخ فنون الكتاب التركية. تصف قنطارجي هذه المرحلة بأنها “فتح باب الفن”، لكنها أدركت سريعًا أن إتقان هذا الفن يتطلب سنوات من التعلم والممارسة المتواصلة.

تحديات التعلم الذاتي وإثبات الذات

بعد تخرجها عام 1999، عُينت قنطارجي معلمة للحرف اليدوية في ولاية سيواس، مما أبعدها عن معلمتها ومحيطها الفني الأول. لكن هذا الانقطاع لم يثبط عزيمتها، بل كان بداية مرحلة أكثر صعوبة.

خلال وجودها في سيواس، تلقت بعض المبادئ الأساسية في فن التذهيب وفقًا للتقاليد التركية القائمة على العلاقة بين الأستاذ والتلميذ. ومع ذلك، شعرت بأن هذه المبادئ لم تكن كافية سوى لوضعها على عتبة هذا الفن.

أدى غياب الإمكانات والمصادر المتاحة في ذلك الوقت إلى اضطرارها لمواصلة التعلم بجهد شخصي، معتمدة على البحث والملاحظة والتجريب. تصف قنطارجي هذه الفترة بأنها كانت مليئة بالمعاناة، لكنها تؤمن بأن “اللؤلؤ يولد من الألم”. لقد تطلب الأمر صبرًا طويلًا، وقراءة معمقة، ومحاولات متكررة لفهم الجوانب التي لم تتضح لها.

بالتوازي مع عملها كمعلمة، واصلت قنطارجي ممارسة فن التذهيب وتطويره داخل منزلها. ومع مرور الوقت، أثمرت جهودها عن نضج فني لافت، توج بحصولها على بطاقة “حامل التراث الثقافي غير المادي” من وزارة الثقافة والسياحة التركية. كما دخلت أعمالها ضمن مجموعات خاصة ومتاحف، وحصلت على جوائز فنية مرموقة.

التذهيب والخط: علاقة متينة وتراث مستمر

منذ عام 2011، بدأت قنطارجي في تدريس فن التذهيب في مركز عثمان غازي للتعليم الشعبي بولاية بورصة. وهي تضع نصب عينيها هدفًا أساسيًا وهو نقل هذا الفن إلى الأجيال القادمة بصورة صحيحة، مع احترام أصوله وجذوره التاريخية.

ترى قنطارجي أن التذهيب ليس مجرد تطبيق للذهب على الورق، بل هو عملية فكرية وجمالية متكاملة تتطلب خيالًا منضبطًا بقواعد راسخة. وتؤكد أن كل عمل يجب أن يحمل تصميماً أصلياً، مستلهمةً الكثير من أعمالها من فنون عصر النهضة التيمورية.

وتضيف أن التذهيب يرتبط ارتباطًا وثيقًا بفن الخط؛ فالخط يسبق الزخرفة، وعلى المذهّب أن يقرأ هوية النص، وسمك القلم، وتوزيع الكلمات، ليصمّم زخرفة خاصة بكل عمل، تمامًا كما يفعل الخياط مع الثوب. هذا الترابط بين الفنين يبرز أهمية فهم السياق الثقافي والتاريخي عند ممارسة التذهيب.

مساهمة في الجمال المعاصر ورؤية للمستقبل

بالإضافة إلى إنتاجها الفني، شاركت قنطارجي في تصميم زخارف أحد المساجد في بورصة، وهي تجربة تعتبرها قريبة إلى قلبها. وتعبر عن قلقها بشأن بعض التشويهات البصرية التي تشاهدها في زخارف بعض المساجد الحديثة، وتؤكد على أهمية الحفاظ على الأصالة والجمال في هذا النوع من الفنون.

تختتم قنطارجي حديثها بالتأكيد على أن طموحها الأساسي هو الاستمرار في تعليم طلابها، وأن أكبر أمنياتها أن ينقلوا هذا الفن إلى من بعدهم بجدية واحترام ووفاء للتقاليد. إنها تؤمن بأن فن التذهيب يجب أن يبقى حيًا، لا كذكرى تاريخية، بل كجزء فاعل من الثقافة المعاصرة، يساهم في إثراء الجمال في عالمنا. إنها قصة شغف، وإصرار، والتزام بالحفاظ على تراث عريق ونقله للأجيال القادمة.

شاركها.
اترك تعليقاً