تتصاعد المخاوف الإنسانية في قطاع غزة مع تفاقم الأزمة الصحية، حيث يواجه المستشفيات نقصًا حادًا في الإمدادات الطبية وتدهورًا في البنية التحتية. هذا النقص يهدد حياة السكان، خاصةً الأطفال، مع ظهور وانتشار أمراض خطيرة مثل الحمى الشوكية، مما يستدعي تدخلًا عاجلًا من المجتمع الدولي. الوضع يزداد سوءًا مع ارتفاع معدلات سوء التغذية وتلوث المياه، الأمر الذي يزيد من خطر تفشي الأوبئة.
الوضع الصحي المتردي في غزة: نقص حاد يهدد الحياة
أكد الدكتور منير البرش، المدير العام لوزارة الصحة في غزة، على التحديات الجمة التي تواجه القطاع الصحي، مشيرًا إلى نقص حاد في الأدوية والمستهلكات الطبية والمواد المخبرية. الأرقام تتحدث عن نفسها؛ إذ يعاني القطاع من عجز كامل في حوالي 52% من الأدوية الأساسية، و71% من المستهلكات الطبية، و72% من المواد المخبرية. هذا النقص يمنع الأطباء من تقديم الرعاية الكافية للمرضى، ويؤخر التشخيص والعلاج.
ويتعلق التحدي بشكل كبير بالبنية التحتية المتضررة للمستشفيات. العديد من المستشفيات تعرضت للدمار الجزئي أو الكلي، مما أدى إلى توقفها عن تقديم الخدمات الأساسية. يتطلب هذا الوضع فتح المعابر بشكل فوري وإعادة إعمار المستشفيات، والسماح بإدخال المعدات الطبية اللازمة لتأهيلها.
تدهور الأجهزة التشخيصية وتأثيره على الرعاية
الأجهزة التشخيصية الضرورية للكشف عن الأمراض، بما في ذلك الرنين المغناطيسي والأشعة الملونة والعادية والقسطرية، إما أنها دمرت أو أنها غير متوفرة بسبب القيود المفروضة. هذا النقص يعيق قدرة الأطباء على تشخيص الأمراض بدقة وتقديم العلاج المناسب في الوقت المناسب. أشار الدكتور البرش إلى أن الأطباء يجدون صعوبة بالغة في تشخيص حالات بسيطة مثل الحمى الشوكية بسبب عدم توفر الأدوات اللازمة للفحص.
وبالتالي، يضطر الأطباء إلى الاعتماد على العلاج التقليدي، وهو أمر غير كافٍ في عالم الطب الحديث. إن منع إدخال المستلزمات الطبية اللازمة للفحوص يعتبر بمثابة جريمة بحق المرضى، ويؤدي إلى تفاقم الوضع الصحي بشكل خطير.
انتشار الحمى الشوكية: تهديد حقيقي للأطفال
في تطور مقلق، كشف الدكتور أحمد الفرا، مدير مستشفى الأطفال بمجمع ناصر الطبي في خان يونس، عن تسجيل 6 حالات إصابة بـ الحمى الشوكية (التهاب السحايا) خلال اليومين الماضيين، مما أدى إلى وفاة طفلة بعد تدهور حالتها الصحية. هذا العدد يثير الخوف من انتشار المرض بشكل أوسع، خاصةً في ظل الظروف المعيشية الصعبة وسوء التغذية الذي يعاني منه أطفال غزة.
معظم الأسر التي أصيب أفرادها بالحمى الشوكية تعاني من سوء التغذية، ويواجه الأهالي صعوبات كبيرة في الوصول إلى المستشفيات لتلقي العلاج. الحمى الشوكية يمكن أن تؤدي إلى مضاعفات خطيرة، بما في ذلك الاعتماد على جهاز التنفس الصناعي، كما حدث مع الطفلة الراحلة.
قصة إيلين عصفور: رمز لمعاناة أطفال غزة
تركت وفاة الطفلة إيلين عصفور (9 سنوات)، والتي قضت إثر إصابتها بالحمى الشوكية في مجمع ناصر الطبي، صدمة وحزنًا عميقين في قلوب أهلها وجيرانها. كان رحيلها بمثابة الصاعقة على والديها وأقاربها، الذين شيعوها إلى مثواها الأخير في مقبرة خان يونس جنوبي قطاع غزة.
وتعكس قصة إيلين المعاناة المأساوية لأطفال غزة، الذين يواجهون خطر الإصابة بأمراض قاتلة بسبب نقص الرعاية الصحية وتدهور الأوضاع المعيشية. تقول إحدى النساء في خان يونس للجزيرة أنها تعاني من ظهور طفح جلدي على أجساد أطفالها، وأنها تخشى أن يصابوا بالحمى الشوكية.
مخاوف متزايدة من تفشي المرض في مخيمات النزوح
يشير مراسل الجزيرة رامي أبو طعيمة إلى أن انتشار الحمى الشوكية يمثل ناقوس خطر جديد يتربص بالمرضى والنازحين في غزة، ويهدد حياة الأطفال بشكل خاص. الخوف الأكبر يكمن في انتقال المرض بسرعة إلى مخيمات النزوح بسبب الاكتظاظ الشديد وغياب أبسط مقومات النظافة والصحة.
إن الوضع في غزة يتطلب استجابة إنسانية عاجلة وشاملة، بما في ذلك توفير الأدوية والمستلزمات الطبية، وإعادة إعمار المستشفيات، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى جميع المحتاجين. بالإضافة إلى ذلك، يجب معالجة أسباب تفشي الأمراض، مثل سوء التغذية وتلوث المياه، من خلال تنفيذ برامج صحية وغذائية مستدامة.
الوضع المائي المتدهور وتأثيره على الصحة العامة
كشف آخر تحليل للصحة العامة، أُجري عام 2025، أن 57% من المياه التي يشربها أطفال غزة ملوثة وغير صالحة للاستهلاك بسبب التلوث الميكروبي والكيميائي. هذا التلوث يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المعوية والجلدية، ويهدد صحة الأطفال بشكل خاص. بالإضافة إلى ذلك، يساهم تلوث المياه في تفاقم أزمة سوء التغذية، حيث يقلل من قدرة الجسم على امتصاص العناصر الغذائية.
إن الوضع في غزة يمثل كارثة إنسانية حقيقية، ويستدعي تحركًا عاجلًا من المجتمع الدولي لإنقاذ حياة السكان وتخفيف معاناتهم. يجب على جميع الأطراف المعنية العمل معًا لضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى غزة، وإعادة إعمار البنية التحتية المتضررة، وتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.
هذا الوضع الصحي الصعب في غزة يتطلب تضافر الجهود لتوفير الرعاية اللازمة، والوقاية من الأمراض، وحماية حياة الأطفال، خاصةً مع انتشار أمراض خطيرة مثل الحمى الشوكية وتدهور جودة المياه. ندعوكم لمشاركة هذا المقال لزيادة الوعي حول الأزمة الإنسانية في غزة، والمطالبة باتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ حياة الأبرياء.















