تُعدّ المناعة مع التقدم في العمر موضوعًا يثير قلقًا متزايدًا، خاصةً مع ارتفاع متوسط الأعمار وزيادة انتشار الأمراض المزمنة. كشفت دراستان حديثتان عن استراتيجية واعدة لإعادة تنشيط جهاز المناعة الذي يضعف بشكل طبيعي مع التقدم في العمر، وهو تقدم قد يفتح الباب أمام تحسين الاستجابة للأمراض واللقاحات وحتى العلاجات المناعية للسرطان. هذه الاكتشافات الجديدة تبعث الأمل في تحسين جودة حياة كبار السن وتعزيز صحتهم العامة.

لماذا يضعف جهاز المناعة مع التقدم في العمر؟

مع التقدم في العمر، يتراجع أداء جهاز المناعة بشكل ملحوظ، مما يجعل الأفراد أكثر عرضة للإصابة بالعدوى والأمراض. يلعب دورًا أساسيًا في هذا التراجع الخلايا التائية (T cells)، وهي خلايا الدم البيضاء التي تكافح العدوى والسرطان. أحد الأسباب الرئيسية لهذا التدهور هو انكماش الغدة الزعترية (thymus)، وهي العضو المسؤول عن إنتاج وتدريب هذه الخلايا منذ سن البلوغ المبكر.

مع مرور الوقت، تقل قدرة الغدة الزعترية على إنتاج خلايا تائية جديدة وفعالة، مما يؤدي إلى انخفاض في عددها وتنوعها. هذا الانخفاض يؤثر بشكل كبير على قدرة الجسم على الاستجابة للمهددات الجديدة، مثل الفيروسات والبكتيريا والخلايا السرطانية. بالإضافة إلى ذلك، تتأثر وظائف الخلايا المناعية الأخرى، مثل الخلايا البائية (B cells) والخلايا القاتلة الطبيعية (NK cells)، مما يزيد من ضعف جهاز المناعة.

تأثير ضعف المناعة على الصحة العامة

ضعف المناعة مع التقدم في العمر لا يؤدي فقط إلى زيادة خطر الإصابة بالعدوى، بل يؤثر أيضًا على فعالية اللقاحات والعلاجات المناعية. قد يحتاج كبار السن إلى جرعات أعلى من اللقاحات لتحقيق نفس المستوى من الحماية مقارنة بالشباب. كما أن العلاجات المناعية للسرطان، التي تعتمد على تحفيز جهاز المناعة لمهاجمة الخلايا السرطانية، قد تكون أقل فعالية في كبار السن بسبب ضعف استجابتهم المناعية.

تقنية mRNA لإعادة تنشيط المناعة

في دراسة حديثة أجراها باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (إم آي تي) ومؤسسة برود (Broad Institute)، تم تطوير أسلوب مبتكر يعتمد على إم آر إن إيه (mRNA) – وهي التقنية نفسها المستخدمة في بعض لقاحات فيروس كورونا – لإعادة برمجة خلايا الكبد لإنتاج إشارات كيميائية تشبه ما كانت الغدة الزعترية توفره.

بدلاً من محاولة إعادة بناء الغدة الزعترية نفسها، وهي مهمة معقدة للغاية، تحول هذه التقنية الكبد إلى “مصنع مؤقت” ينتج ثلاثة عوامل مهمة تنشط إنتاج الخلايا التائية. يقول الباحث ميركو فريدريش -من معهد ماساتشوستس- إنه “مع التقدم في العمر، يضعف جهاز المناعة تدريجياً.. أردنا أن نفكر في كيفية الحفاظ على هذه الحماية المناعية لأطول فترة ممكنة، وهذا ما دفعنا إلى البحث عن سبل لتعزيز المناعة”.

نتائج التجارب على الفئران

عندما تلقت الفئران الكبيرة في السن هذه الحقن المبرمجة بإم آر إن إيه (mRNA) على مدار أسابيع، لوحظت نتائج واعدة للغاية:

  • زيادة ملحوظة في عدد وتنوع الخلايا التائية في الجسم.
  • استجابة أقوى للقاحات، مما يشير إلى تحسن في قدرة الجسم على تطوير المناعة ضد الأمراض.
  • تحسن في فعالية العلاج المناعي ضد الأورام في تجارب السرطان، مما يوحي بأن هذه التقنية يمكن أن تعزز قدرة جهاز المناعة على مكافحة السرطان.

تشير هذه النتائج إلى أن جهاز المناعة يمكن أن يعمل بشكل أقرب لما يشاهده في سن الشباب، وهو ما يفتح آفاقًا واسعة لتحسين صحة كبار السن.

تحديات وفرص مستقبلية في مجال تعزيز المناعة

على الرغم من النتائج الواعدة، لا يزال هناك عدد من الأسئلة المهمة التي تحتاج إلى إجابة قبل أن يتم تطبيق هذه التقنية على البشر. من بين هذه الأسئلة:

  • هل يمكن تطبيق هذا الأسلوب بأمان في البشر؟
  • ما هي الآثار الجانبية طويلة المدى؟
  • هل يمكن تطويره ليشمل أنواعًا أخرى من خلايا المناعة؟

ويخطط الباحثون الآن لتوسيع الدراسات لتشمل نماذج حيوانية متعددة وربما مرحلة اختبار سريري مستقبلية إذا أثبتت الدراسات الأولية سلامتها. بالإضافة إلى ذلك، هناك حاجة إلى مزيد من البحث لفهم الآليات الدقيقة التي تعمل بها هذه التقنية وكيف يمكن تحسينها لزيادة فعاليتها.

دور نمط الحياة في دعم المناعة

بالإضافة إلى هذه التطورات العلمية الواعدة، من المهم التأكيد على دور نمط الحياة الصحي في دعم وظائف المناعة مع التقدم في العمر. يشمل ذلك اتباع نظام غذائي متوازن غني بالفواكه والخضروات، وممارسة الرياضة بانتظام، والحصول على قسط كافٍ من النوم، وإدارة الإجهاد. هذه العوامل يمكن أن تساعد في الحفاظ على قوة جهاز المناعة وتحسين الصحة العامة.

في الختام، تمثل هذه الاكتشافات الجديدة خطوة مهمة نحو تطوير علاجات جديدة لتحسين جهاز المناعة مع التقدم في العمر. ومع استمرار البحث والتطوير، يمكننا أن نتوقع رؤية المزيد من التقدم في هذا المجال، مما سيؤدي إلى تحسين صحة وجودة حياة كبار السن. نأمل أن تفتح هذه الدراسات الباب أمام مستقبل أكثر صحة ونشاطًا لكبار السن في جميع أنحاء العالم.

شاركها.
اترك تعليقاً