في خضمّ النقاشات المتزايدة حول التغذية الصحية وأثرها على الوقاية من الأمراض، يبرز موضوع اللحوم الحمراء كأحد أكثر الجوانب إثارة للجدل. فمع تزايد الأدلة العلمية التي تربط الإفراط في تناولها بزيادة خطر الإصابة بالسرطان وأمراض القلب، تتجه التوصيات الصحية نحو التقليل من استهلاكها أو البحث عن بدائل صحية. هذا المقال يستعرض أحدث الدراسات والأبحاث حول مخاطر اللحوم الحمراء، ويقدم حلولًا عملية لدمج نظام غذائي صحي ومتوازن.

مخاطر الإفراط في تناول اللحوم الحمراء: ما الذي تكشفه الأبحاث؟

منذ سبعينيات القرن الماضي، تراكمت أكثر من 800 دراسة علمية لتشكيل أساس تقرير الوكالة الدولية لأبحاث السرطان لعام 2015، والذي صنّف اللحوم الحمراء ضمن المجموعة “إيه 2” من المواد المسرطنة المحتملة. هذا التصنيف يعني أن هناك أدلة كافية تشير إلى أن اللحوم الحمراء قد تسبب السرطان. الدكتورة تريشا باسريشا، كاتبة عمود “اسأل طبيبًا” في صحيفة واشنطن بوست، تؤكد أن الأدلة حول هذه المخاطر “مقلقة” لدرجة تجعل فوائد تناول اللحم الأحمر بانتظام لا تستحق التعرض لهذه المخاطر.

وليس السرطان وحده هو مصدر القلق. فوفقًا لمؤسسة القلب البريطانية، ينصح بتجنب الإكثار من شراء منتجات الألبان كاملة الدسم، مما يعزز الحاجة إلى فهم أعمق لأسباب هذه التوصيات والبحث عن بدائل صحية.

ليست الدهون المشبعة وحدها.. مركبات مسرطنة في اللحوم الحمراء

قد يعتقد البعض أن المشكلة الرئيسية في اللحوم الحمراء تكمن في احتوائها على نسبة عالية من الدهون المشبعة. لكن، الدكتور داريوش مظفريان، طبيب القلب ومدير معهد الغذاء بجامعة تافتس، يوضح أن الخطر يكمن في “احتوائها على مركبات أخرى مسرطنة ومسببة للالتهابات، قد تزيد من احتمالية الإصابة بالسرطان وداء السكري من النوع الثاني”.

الأستاذ والتر ويلت من كلية “هارفارد تي إتش تشان” للصحة العامة يضيف أن اللحوم ومنتجات الألبان كاملة الدسم، على الرغم من فوائدها الشائعة، “منخفضة للغاية” في محتواها من الأحماض الدهنية الأساسية المفيدة لصحة القلب والأوعية الدموية والصحة العامة. كما أن اللحوم الحمراء تزيد من مستوى الكوليسترول الضار (LDL) مقارنة بمصادر البروتين النباتية، وترتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب التاجية.

الاعتدال هو المفتاح: كمية اللحوم الحمراء الآمنة

على الرغم من المخاطر المحتملة، لا يعني ذلك ضرورة الاستغناء التام عن اللحوم الحمراء. الدكتورة ماريون نيستل، أستاذة دراسات الغذاء والصحة العامة في جامعة نيويورك، تؤكد أن تناول كميات “معتدلة” من اللحوم الحمراء ومنتجات الألبان كاملة الدسم، أو استخدام “القليل” من الزبدة أو دهن البقر بين الحين والآخر، “لا بأس به” لمن يتبعون نظامًا غذائيًا صحيًا ومتنوعًا.

توصي نيستل بإعطاء الأولوية للزبادي العادي، كونه طعامًا مُخمّرًا يحتوي على بكتيريا مفيدة (البروبيوتيك). أما الدكتور مظفريان فينصح بتناول “حصة واحدة فقط أسبوعيًا” من اللحوم الحمراء (تتراوح بين 85 و113 جرامًا تقريبًا)، مع تجنب اللحوم المصنعة تمامًا أو اعتبارها “كماليات”.

بدائل صحية للبروتين: نحو نظام غذائي نباتي أكثر

إن تقليل استهلاك اللحوم الحمراء يفتح الباب أمام مجموعة واسعة من الأطعمة الصحية الأخرى. اختصاصية التغذية إميلي غيلسومين تشير إلى أن تقليل استهلاك اللحوم الحمراء “يفسح المجال لأطعمة صحية أكثر”، مؤكدة أن معظمنا لا يتناول ما يكفي من الأطعمة المفيدة.

توصي الدراسات بزيادة استهلاك البقوليات (الفاصوليا، البازلاء، العدس)، والمكسرات، والمأكولات البحرية، ومنتجات الألبان قليلة الدسم. والأهم من ذلك، تعديل نظامنا الغذائي ليشمل المزيد من مصادر البروتين النباتية، مثل المكسرات ومنتجات الصويا، لما لها من فوائد صحية مثبتة. دراسة أجريت على أكثر من 200 ألف أمريكي على مدى 3 عقود أظهرت أن الأشخاص الذين اتبعوا نظامًا غذائيًا غنيًا بالنباتات انخفضت لديهم معدلات الوفاة المبكرة بأمراض القلب والسرطان.

طرق طهي صحية للحد من المواد المسرطنة المحتملة

حتى عند تناول اللحوم الحمراء باعتدال، يمكن اتخاذ خطوات لتقليل المواد المسرطنة المحتملة. أظهرت الأبحاث أن تتبيل اللحوم بتتبيلات غنية بمضادات الأكسدة (مثل الزعتر والفلفل الأحمر والأسود) قبل الطهي يمكن أن يقلل من نسبة المواد المسرطنة بنسبة تصل إلى 88%.

بالإضافة إلى ذلك، ينصح عالمة الأوبئة السرطانية ماريانا ستيرن بالآتي:

  • طهي اللحم ببطء وتجنب حرقه.
  • إبقاء درجة الحرارة أقل من 205 مئوية.
  • نقع اللحم قبل الطهي في مزيج من زيت فول الصويا والماء والخل والتوابل.
  • استخدام صينية لتجميع السوائل أثناء الطهي.
  • اختيار قطع اللحم الخالية من الدهون.

في الختام، إن فهم مخاطر الإفراط في تناول اللحوم الحمراء واتباع التوصيات الصحية المتعلقة بالاعتدال والبدائل النباتية، يمكن أن يساهم بشكل كبير في تحسين صحتنا العامة والوقاية من الأمراض المزمنة. لا تتردد في استشارة أخصائي تغذية لوضع خطة غذائية تناسب احتياجاتك الفردية وتضمن لك نظامًا غذائيًا صحيًا ومتوازنًا.

شاركها.
اترك تعليقاً