في الصباح الباكر، قبل أن ينطلق المترو في رحلته الأولى، يستيقظ الحي العربي في باريس، فتتعالى تحية الصباح باللغة العربية بين الجيران. هذا المشهد، المتكرر يوميًا، ليس مجرد تعبير عن الحنين إلى الوطن، بل هو جزء من ظاهرة أوسع نطاقًا: الهوية الدفاعية، وهي ممارسة متزايدة بين المجتمعات المهاجرة في كل من أوروبا وأمريكا الشمالية. ففي مواجهة سياسات الهجرة المتشددة والشعور بالإقصاء، يلجأ الأفراد إلى تعزيز هويتهم الثقافية واللغوية كشكل من أشكال المقاومة والتأكيد على وجودهم.

الهوية الدفاعية: باريس وديربورن.. وجهان لعملة واحدة

في باريس، تتجلى هذه الظاهرة بوضوح في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية من شمال وغرب إفريقيا. واجهات المحال التجارية تعرض كتابات باللغتين العربية والفرنسية، والأقمشة الملونة تذكر بجماليات الشرق. في المقاهي، تتداخل أصوات اللغة العربية المغاربية مع الفرنسية، بينما يتبادل الناس الأخبار بلغتهم الأم، كأنها مساحة آمنة داخل المدينة. هذه المظاهر ليست مجرد بقايا من الماضي، بل هي تعبير عن هوية يتم الدفاع عنها في وجه التحديات.

وعلى بعد آلاف الكيلومترات، في الغرب الأوسط الأمريكي، يتكرر المشهد، وإن كان بملامح مختلفة. في مدينة ديربورن بولاية ميشيغان، تبرز اللافتات العربية والإنجليزية، ومحلات البقالة التي تبيع المنتجات الشرقية، ومطاعم الشاورما والكباب. الطلاب يرتدون الكوفية أو الثوب التقليدي في طريقهم إلى الجامعة، ويتحدثون العربية في الممرات دون خجل. هنا، لا تستخدم الهوية للتعبير عن الحنين فحسب، بل كإعلان وجود يومي، كرد مباشر على شعور دائم بالتهديد.

تعزيز الهوية كرد فعل على الإقصاء

يصف علماء الاجتماع هذه الظاهرة بـ”الهوية الدفاعية”. بدلاً من أن تكون هذه الممارسات دلالة على الانعزال أو الحنين إلى الماضي، فهي تعتبر أعمال احتجاج ضد أنظمة الترحيل والمراقبة والهشاشة القانونية. ففي ضواحي باريس، وخاصة في سان دوني، لفتت عودة ظهور اللغات العربية والبربرية ولغات غرب إفريقيا في الأماكن العامة انتباه صانعي السياسات والباحثين.

يتزامن هذا التحول اللغوي مع فترة تشديد إجراءات الهجرة وتجدد النقاش حول العلمانية والهوية الوطنية والترحيل. تقرير صادر عن مؤسسة جان جوريس عام 2023 أشار إلى أن المؤشرات الثقافية التي كانت تعتبر في السابق انتقالية، أصبحت تُستخدم بشكل متزايد كإشارات سياسية مقصودة بين المهاجرين من الجيلين الثاني والثالث. الزي التقليدي والرموز الدينية واستخدام اللغة أصبحت “أشكالًا من المقاومة الرمزية لدولة يُنظر إليها على أنها تُقصي المهاجرين بدلاً من دمجهم”.

الهوية كأداة سياسية: تحول في الأجيال

هذا التحول يعكس تغيراً في كيفية عمل الهوية سياسياً. فبينما كانت الأجيال السابقة تتعامل مع التراث الثقافي على أنه أمر شخصي أو انتقالي، يستخدمه المهاجرون الشباب بشكل متزايد في المجال العام، محولين التراث إلى موقف سياسي بدلاً من كونه خلفية شخصية.

الأداء نفسه يتجلى في الولايات المتحدة، خاصة في الغرب الأوسط، حيث تصاعدت إجراءات إنفاذ قوانين الهجرة في السنوات الأخيرة. الطلاب والناشطون يرتدون الزي التقليدي كجزء من حياتهم اليومية، وليس مجرد احتجاجات عابرة. أبحاث معهد سياسات الهجرة (Migration Policy Institute) وثقت كيف أعادت زيادة عمليات الترحيل والغموض المحيط بالوضع القانوني تشكيل التعبير السياسي للمهاجرين.

الرموز اليومية: مقاومة صامتة

عندما تشعر المجتمعات بأن القنوات الرسمية غير متاحة أو محفوفة بالمخاطر، يحل التعبير الثقافي الرمزي محل النشاط السياسي العلني. تصبح الهوية الظاهرة شكلاً سهلاً من أشكال المقاومة، يصعب تجريمه، لكن يستحيل تجاهله. هذا لا يعني بالضرورة التطرف، ولكنه يمثل تحولاً من سرديات الاندماج نحو المواجهة مع سلطة الدولة.

تؤكد الأبحاث الحديثة أن العولمة لم تنجح في محو الحدود الثقافية، بل زادتها حدة في لحظات الأزمات. اللغة والزي ليسا مجرد تعبير عن الانتماء، بل هما عناصر محورية في هذه المقاومة الصامتة. فمن خلال التحدث بلغة أجدادهم في الأماكن العامة أو ارتداء الملابس التقليدية يوميًا، يؤكد الأفراد استمراريتهم في مواجهة النزوح.

الفضاء التعليمي: ساحة صراع جديدة

الفضاء التعليمي أصبح أحد أهم ساحات الصراع على الهوية الثقافية. في فرنسا، وثقت تقارير رسمية ونقابية تصاعد النزاعات حول اللغة والزي والرموز الثقافية داخل المدارس الثانوية في الضواحي. وفي الولايات المتحدة، رصدت جامعات في ميشيغان وإلينوي وأوهايو تزايد استخدام الرموز الثقافية داخل الحرم الجامعي بوصفه لغة سياسية بديلة.

في الختام، ظاهرة الهوية الدفاعية ليست مجرد رد فعل على الإقصاء، بل هي تعبير عن الرغبة في البقاء والازدهار في مجتمع جديد، مع الحفاظ على الجذور الثقافية واللغوية. إنها قصة عن الصمود والمقاومة، وعن قوة الهوية في مواجهة التحديات. هذه الممارسات اليومية، التي قد تبدو بسيطة، تحمل رسالة قوية: نحن هنا، ونحن باقون، وهويتنا جزء لا يتجزأ من نسيج هذا المجتمع.

شاركها.
اترك تعليقاً