في زمن أصبحت فيه المسلسلات القصيرة سلاح المنصات الرقمية لكسب انتباه المشاهد سريعًا، يأتي مسلسل “بطل العالم” ليحجز لنفسه مكانًا في الأيام الأخيرة قبل بداية شهر رمضان وسباق المسلسلات السنوي. يقدم العمل نفسه منذ اللحظة الأولى كرحلة مشوقة تعتمد على الإيقاع السريع والأكشن، وبطل يحمل ماضيًا مثقلًا بالهزائم. ويضم العمل مجموعة متنوعة من الأسماء التي تجمع بين الخبرة والحضور الشبابي، إذ يتصدر البطولة عصام عمر إلى جانب جيهان الشماشرجي، بالإضافة إلى فتحي عبد الوهاب، ومحمد لطفي، ومنى هلا، وأحمد عبد الحميد، والطفل آدم النحاس. والمسلسل من تأليف هاني سرحان وإخراج عصام عبد الحميد.

قصة “بطل العالم”: بين البحث عن المال والحقيقة

تدور أحداث مسلسل “بطل العالم” حول شخصية صلاح (عصام عمر)، ملاكم سابق حقق ميدالية بطل أفريقيا، ونافس على بطولة العالم، قبل أن يصاب بسقوط مهني أدى إلى سقوط شخصي أعمق. هذا السقوط يفرض عليه الخروج من دائرة الأضواء والبحث عن حياة بديلة، فيعمل مضطرًا كحارس شخصي لكسب لقمة العيش.

على الجانب الآخر، نتعرف على دنيا (جيهان الشماشرجي)، الفتاة التي بعد وفاة والدها ظنت أن مشاكلها المادية ستنتهي، لكنها تكتشف أن تلك المشاكل بدأت للتو. والدها مدين بمبلغ 50 مليون جنيه (نحو مليون دولار) لرجل غامض هو سليمان المحروق (فتحي عبد الوهاب).

يلتقي كل من دنيا وصلاح عندما تبحث الأولى عن الحماية من رجال المحروق، فتبدأ رحلتهما سويًا للبحث عن المال والنجاة في عالم ضاغط، سواء جاء هذا الضغط مباشرًا في شكل تهديدات المحروق، أو غير مباشر متمثلاً في الفقر، وإحباطات الماضي، والحياة المهنية المتخبطة. هذا الصراع يضعهم في مواجهة تحديات متعددة، ويجعل من مسلسل بطل العالم عملًا مليئًا بالتشويق.

التشويق والأسرار المؤجلة في “بطل العالم”

يعتمد مسلسل “بطل العالم” بشكل أساسي على التشويق والإثارة النابعين من الأسرار المؤجلة. لا يكتفي العمل بتقديم صراع خارجي قائم على المطاردات والتهديدات، بل يبني تشويقه الحقيقي على مجموعة من الأسئلة التي يُفترض أن تتكشف إجاباتها بالتدريج مع تطور الأحداث. من بين هذه الأسرار سبب فقدان صلاح لفرصته في بطولة العالم، وطبيعة التوتر القائم بينه وبين والده، إلى جانب العلاقة الغامضة التي تربطه بالطفل ياسين ووالدته، والتي تحمل في طياتها دلالات تتجاوز مجرد خط درامي جانبي.

على الجانب الآخر، تتشابك أسرار والد دنيا مع مصيرها، سواء فيما يتعلق بعلاقته بسليمان المحروق أو تفاصيل حياته العائلية وزوجاته، لتكشف أن الأزمة لا تقتصر على ديون مالية، بل تمتد إلى شبكة أعقد من المصالح والخيانات. هكذا لا يصبح المال وحده هو الهدف، بل تتحول الرحلة إلى مسارين متوازيين: رحلة للبحث عن الثروة الضائعة، وأخرى يبحث فيها المتفرج عن الحقيقة.

دراما العلاقات: غياب الأم وتفكيك الأبوة

وبجانب خط المطاردة والبحث عن الأسرار، يفتح “بطل العالم” مسارًا دراميًا أكثر هدوءًا، وإن كان لا يقل قسوة، يتمثل في تفكيك علاقة الأبوة، مقابل غياب شبه كامل لدور الأم داخل السرد. صلاح ينشأ في حياة خشنة تمامًا؛ الأم غائبة عن الصورة دون تبرير درامي واضح، لا بموت ولا مرض أو خلافه، بينما يحتل الأب مساحة ملتبسة تجمع بين كونه أبًا ومدربًا صارمًا يفرض على ابنه توقعات عالية.

في المقابل، فقدت دنيا أباها حتى في حياته، إذ اختار الانفصال عن أمها والزواج بثانية وثالثة، تاركًا فراغًا عاطفيًا واضحًا. وخلال رحلة البحث تبدأ في إعادة اكتشاف صورة الأب الغائب، من خلال شذرات بسيطة من الحديث مع الزوجة الثالثة وعمها، لتكتشف أن الأب، رغم أخطائه، كان يحمل لها مشاعر إيجابية لم يعرف كيف يعبر عنها. هذه الديناميكيات العائلية المعقدة تضيف عمقًا إلى دراما بطل العالم.

نقاط ضعف في النص وسيناريو “بطل العالم”

رغم تعدد الخطوط الدرامية التي يفتحها مسلسل “بطل العالم” منذ حلقاته الأولى، فإن الإشكالية الأساسية تكمن في أن هذه الخطوط تظل مفتوحة بلا استثمار حقيقي، أو رغبة فعلية في التطوير. سرعان ما يدخل العمل في دوائر تكرار لا تقود إلى تحولات حاسمة.

خط البحث عن المال، الذي يفترض أن يكون المحرك الأساسي للأحداث، يتحول مع مرور الحلقات إلى تفصيلة هامشية لا نتذكرها إلا في بضع دقائق بكل حلقة. وبدلاً من أن يتصاعد أو يتعقد، يبقى معلقًا بلا ضغط درامي حقيقي أو ثمن واضح تدفعه الشخصيات في سبيله. الأمر نفسه ينسحب على الصراع مع سليمان المحروق، الذي بدأ كخصم واضح ومهدد في الحلقات الخمس الأولى، قبل أن يتراجع حضوره تدريجيًا، ويتحول من قوة ضاغطة إلى ظل بعيد لا يشكل خطرًا حقيقيًا.

أما على مستوى الأسرار، فيبني المسلسل تشويقًا ملحوظًا حول كل كشف منتظر، لكنه في الغالب يقدم إجابات أقل من حجم الانتظار الذي صنعه. نجد أنفسنا داخل دائرة مفرغة من التلميح ثم الانكشاف ثم الإحباط، حيث لا تحمل هذه الأسرار قوة صادمة أو تأثيرًا دراميًا يغير مسار الشخصيات أو يعيد تعريف علاقاتهم.

أداء الممثلين: نقطة قوة “بطل العالم”

ربما يكون أفضل ما يقدمه مسلسل “بطل العالم” هو الأداء التمثيلي، الذي ينجح في كثير من الأحيان في تعويض هشاشة الكتابة، أو على الأقل التخفيف من حدتها. عصام عمر يواصل إثبات قدرته على التعامل مع أنماط مختلفة من الأدوار بنفس الكفاءة، ويقدم شخصية صلاح بمرونة لافتة، متنقلًا بسلاسة بين الانكسار الداخلي وخفة الظل.

أما فتحي عبد الوهاب، فيجتهد في منح شخصية سليمان المحروق طابعًا مميزًا، معتمدًا على حضوره الهادئ ونبرته المتحفظة في محاولة لصناعة شرير مختلف، غير أن هذا الجهد يصطدم بفراغ كتابي واضح.

في النهاية، يبدو مسلسل “بطل العالم” عملاً يجيد إطلاق الوعود الدرامية، لكنه يتردد في الوفاء بها، فيظل يدور حول أفكاره دون الذهاب إلى نهايات حاسمة، مكتفيًا بالتشويق الظاهري. هل سيتمكن المسلسل من استغلال إمكاناته بشكل أفضل في الحلقات القادمة؟ هذا ما ينتظره المشاهدون.

شاركها.
اترك تعليقاً