في يونيو/حزيران عام 1962، سار شاب روسي في شوارع نوفوتشركاسك، عاصمة القوزاق، ظنًا منه أنه سمع دوي إطلاق نار. هذا الحدث، الذي يبدو بسيطًا، يكشف عن قصة أعمق حول القمع المستمر في الاتحاد السوفيتي بعد وفاة ستالين، وهي القصة التي يرويها المؤرخ مارك ب. سميث في كتابه “الخروج من عهد ستالين”. هذا الكتاب يقدم نظرة شاملة على الحقبة السوفيتية، ويكشف عن أن “القسوة والدموية” لم تنتهِ بوفاة الديكتاتور، بل استمرت بأشكال مختلفة.

روسيا ما بعد ستالين: وهم التحرر والقمع المستمر

على الرغم من أن وفاة جوزيف ستالين في عام 1953 أثارت آمالًا بالتغيير، إلا أن الواقع كان أكثر تعقيدًا. فقد شهدت الحقبة التي تلت ذلك تحسنًا نسبيًا في ظروف المعيشة، لكنها ظلت قاسية، كما يوضح سميث. ففي نوفوتشركاسك، لم يكن دوي إطلاق النار مجرد وهم، بل كان حقيقة مروعة؛ حيث قتلت الشرطة الأمنية 24 متظاهرًا أعزلًا احتجاجًا على خفض الأجور وارتفاع الأسعار. هذا الحدث، الذي تم التستر عليه في البداية، أرسل موجات صدمة عبر المجتمع السوفيتي، وكشف عن استمرار القمع العنيف.

سباق الفضاء والتخلف التكنولوجي: تناقضات روسيا

أثبت الاتحاد السوفيتي قدرته على إبهار العالم من خلال تصدر سباق الفضاء وتطوير الأسلحة النووية. ومع ذلك، يوضح سميث تناقضًا صارخًا: بينما تمكن الروس من الوصول إلى الفضاء، فشلوا في إنتاج سلع استهلاكية بسيطة مثل السيارات أو الأجهزة الكهربائية التي يمكن بيعها خارج حدود بلادهم. هذا التخلف التكنولوجي يعكس، بحسب سميث، إرث الاستبداد الذي أعاق التنمية الاقتصادية والابتكار. روسيا الحديثة تعاني من هذا الإرث حتى اليوم.

خروتشوف: بين التناقضات والإصلاحات المحدودة

يعتبر نيكيتا خروتشوف، خليفة ستالين، شخصية محورية في هذه الفترة. كان خروتشوف مزيجًا من التناقضات؛ فقد صوّر نفسه للعالم كزعيم قوي، لكنه في الوقت نفسه أظهر بعض الانفتاح النسبي. على الرغم من أنه كان متورطًا في عمليات التصفية الكبرى في الثلاثينيات، إلا أن عهده كان “الأقل وحشية” منذ عام 1917. وقد قبل خروتشوف إقالته في عام 1964 بهدوء، معترفًا بأن ستالين لم يكن ليقبل مثل هذا الأمر.

من الغولاغ إلى الميدان الأحمر: أصوات المعارضة المكتومة

يكشف سميث عن قمع المعارضة في الاتحاد السوفيتي من خلال قصص شخصية مؤثرة. يتناول الكتاب حياة الكاتب ألكسندر سولجينيتسين، الذي قضى سنوات في معسكرات الغولاغ ومستشفيات السرطان، ووثق معاناته في رواياته الشهيرة. كما يسلط الضوء على شجاعة المحتجين الذين تجمعوا في الميدان الأحمر عام 1968 للتضامن مع “ربيع براغ”، قبل أن يتم اعتقالهم بوحشية من قبل عناصر “كيه جي بي”. هذه اللحظات التاريخية تجسد صمود الروح الإنسانية في وجه القمع.

غورباتشوف: محاولة إصلاح فاشلة ونهاية الإمبراطورية

خصص سميث جزءًا كبيرًا من كتابه لمحاولات ميخائيل غورباتشوف لإصلاح النظام السوفيتي. ويؤكد سميث على أن غورباتشوف حاول إصلاح “نظام غير قابل للإصلاح”. لقد أصبح شخصية تراجيدية، حيث انهارت أيديولوجيته وفشلت سياسته، وتوفيت زوجته. كارثة “تشرنوبيل” النووية عام 1986 كانت بمثابة تجسيد لفشل سياساته. في النهاية، وقّع غورباتشوف على وثيقة زوال الإمبراطورية السوفيتية في عام 1991، مما أدى إلى صعود بوريس يلتسين وبداية حقبة جديدة في تاريخ روسيا.

الحياة اليومية في الاتحاد السوفيتي: نقص، طوابير، وأرقام صادمة

لا يقتصر الكتاب على الأحداث السياسية الكبرى، بل يتطرق أيضًا إلى تفاصيل الحياة اليومية في الاتحاد السوفيتي. يكشف سميث عن النقص الحاد في السلع الأساسية، والطوابير الطويلة التي كان الناس ينتظرون فيها دون أن يعرفوا ما الذي سيتم بيعه. كما يسلط الضوء على ارتفاع معدلات الإجهاض، حيث بلغت 7.5 مليون حالة سنويًا، بسبب نقص وسائل منع الحمل. هذه التفاصيل تكشف عن الجوانب القاتمة للحياة في ظل النظام السوفيتي. الحياة في الاتحاد السوفيتي كانت مليئة بالتحديات والمعاناة.

في الختام، يقدم كتاب “الخروج من عهد ستالين” للمؤرخ مارك ب. سميث تحليلًا شاملاً ومؤثرًا للحقبة السوفيتية. يكشف الكتاب عن أن القمع والدموية لم ينتهيا بوفاة ستالين، بل استمرا بأشكال مختلفة حتى انهيار الاتحاد السوفيتي. هذا الكتاب ضروري لفهم روسيا المعاصرة وتحدياتها، ويقدم تحية مؤثرة لزوجة سميث الروسية، لاريسا، التي علمته الكثير عن الماضي السوفيتي. إن فهم هذه الحقبة التاريخية أمر بالغ الأهمية لفهم التطورات السياسية والاجتماعية في روسيا اليوم.

شاركها.
اترك تعليقاً