من قلب العاصمة الأردنية عمّان، تشهد فن الشارع تحولاً ملحوظاً، حيث تتحول الجدران الصامتة إلى لوحات فنية نابضة بالحياة، تعكس روح المدينة وقصص أهلها. لم يعد هذا الفن مجرد زخرفة بصرية، بل أصبح لغة تعبير حية، ومنصة للفنانين لطرح قضاياهم الاجتماعية والسياسية والإنسانية. هذا المقال يستكشف تطور فن الشارع في عمّان، التحديات التي تواجهه، ودوره المتزايد في تشكيل الهوية الثقافية للمدينة.
نشأة وتطور فن الشارع في عمّان
على الرغم من عمّان المعروفة بعمارتها الحجرية التقليدية وقوانين البناء الصارمة، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت ازدهاراً ملحوظاً لفنون الشارع، خاصة في أحياء مثل جبل اللويبدة ووسط البلد. هذا التحول يعكس رغبة الشباب في التعبير عن أنفسهم بطرق إبداعية وغير تقليدية.
فنانة الرسم الغرافيتي ليلى عجاوي تشير إلى أن الحصول على التراخيص اللازمة للرسم على الجدران قد يكون معقداً، ولكنه ضروري لضمان احترام حقوق الجميع وتنظيم الفضاء العام. وتؤكد أن الجداريات الضخمة تساهم في جذب مشاركة أوسع من الجمهور، وتجعل عمّان مدينة أكثر حيوية وجمالاً. فن الغرافيتي، كما ترى عجاوي، هو أداة قوية للتعبير داخل المجتمعات، تحمل رسائل متعددة المعاني، من المبادرات المجتمعية إلى الرسائل الوطنية التي تعزز القيم والهوية الثقافية.
فن الشارع كأداة للتعبير عن الهوية
لا يقتصر دور الرسم على الجدران على الجانب الجمالي، بل يتعداه إلى التعبير عن الهوية الثقافية والاجتماعية. عجاوي تعبر عن هويتها المزدوجة كفنانة عربية أردنية فلسطينية من خلال فنها، وتطرق قضايا تلامس الشارع بلغة عالمية هي لغة الفن. كما تحرص على التعبير عن المرأة العربية وقضاياها من منظور أنثوي، بهدف كسر الصورة النمطية الغربية السائدة.
مشروع “بلدك” والجداريات الفنية في عمّان
على مدى السنوات السبع الماضية، جمع مشروع “بلدك” بين الفنانين الأردنيين والأجانب لتقديم أعمال جدارية تجمع بين التراث المحلي والتأثيرات الغربية. شارك في هذا المشروع 16 فناناً وفنانة من الأردن وكولومبيا وفرنسا وألمانيا، وقدموا أعمالاً حول “قيمة الإنسان في بيئته الفنية والثقافية والاجتماعية”.
على طول شارع خرفان في جبل عمّان، يمكن ملاحظة أعمال فنية بارزة مثل جدارية الفنانة ميرامار التي خلدت المعمارية العراقية الراحلة زها حديد، وأخرى رسمها صهيب العطار تصور نعمت صالح بسيسو، إحدى رائدات العمل التربوي في ستينيات القرن الماضي. هذه الجداريات لا تظهر الجمال الفني فحسب، بل تسرد التاريخ الاجتماعي والثقافي للعاصمة.
التحديات التي تواجه فن الشارع في الأردن
على الرغم من الانتشار اللافت، يواجه فن الشارع في الأردن تحديات كبيرة. تتطلب بعض الجداريات تراخيص طويلة، خاصة عند استخدام آليات ثقيلة أو الرسم على المباني العامة. بالإضافة إلى ذلك، تعتبر الأدوات الأساسية مثل بخاخات الألوان والكمامات وفرش الطلاء مكلفة نسبياً، مما يشكل عبئاً مادياً على الفنانين.
فن الشارع والقضية الفلسطينية
أثبت فن الشارع قدرته على إيصال الرسائل الإنسانية والسياسية، وبرز ذلك بوضوح في القضية الفلسطينية. رسم فنانون جداريات تعبر عن معاناة وصمود الشعب الفلسطيني. فنانة الرسم الغرافيتي شروق ضمرة تؤكد أن الرسومات الجدارية تمنح صوتاً للفلسطينيين وللقضايا الإنسانية، وأنها أداة مقاومة وتعبير عن الهوية والإنسانية.
دعم أمانة عمّان وتأثير فن الشارع
تدعم أمانة عمّان هذا النوع من الفن، معتبرة أنه يضاعف الحس الجمالي والبصري للمدينة، ويعزز روح الحداثة. ففن الشارع يتجاوز القوالب التقليدية للفنون داخل المعارض، ويحول الجدران الصامتة إلى مساحات تنبض بالحياة، حاملة قصص الناس وهمومهم وأحلامهم. اللون يصبح أداة حوار، والجدار شاهداً على مدينة تكتب تاريخها بريشة فنانيها.
في الختام، يمثل فن الشارع في عمّان ظاهرة ثقافية واجتماعية متنامية، تعكس رغبة الشباب في التعبير عن أنفسهم وقضاياهم. على الرغم من التحديات التي تواجهه، إلا أنه يظل أداة قوية للتغيير الإيجابي، وإضافة جمالية للمدينة، ومنصة لتعزيز الهوية الثقافية الأردنية. ندعوكم لاستكشاف هذه الجداريات الفنية بأنفسكم، والتفاعل مع الرسائل التي تحملها، والمساهمة في دعم هذا الفن الذي يثري حياتنا ويجعل عمّان مدينة أكثر حيوية وإبداعاً.















