وجّهتُ سؤالي إلى أول إنسان التقيتُ به عن أين تقبع تلك المساحة من العيش، والتي ترتبط في خيالنا الشعبي جميعًا، قاهريين وسكندريين، بأكبر تواريخ خيبتنا الاجتماعية “ريا وسكينة”. فرفع يده إلى أعلى ورسم خطًا في الهواء وقال: “اذهب من هنا مستقيمًا ولا تلتفت بظهرك حتى لا تتوه”. ربّت على كتفي وقال: “انتبه لي، عليك أن تقطع شارع الصاغة، ستجد نفسك في سوق لبيع الأقمشة يُسمى سوق الخيط، ومن هناك اسأل عن زنقة الستات”. شكرته قبل أن يوقفني وهو يختنق بالضحك: “ولكن احذر، لأنهم يتصيدون الغرباء”. وكان عليّ أن آخذ تلك الجملة على محمل الجد بعد ثلاث ساعات من التجوال. هذا المقال يستكشف زنقة الستات في الإسكندرية، تاريخها، أساطيرها، وحاضرها المتغير.

تاريخ زنقة الستات: من إسطبل للخيول إلى سوق نابض بالحياة

عليك أن تعي أولًا أن “سوق المغاربة”، أو ما سيُعرف لاحقًا بـ زنقة الستات، ليست حارة كما يُشاع، بل حيّ بأكمله يضم شيخَتين، ويتفرع منه قرابة ست حارات وأربعة أزقة وعطفتين تحوّلتا إلى مكبّ للنفايات. يتصل بعضها ببعض في تصميم هندسي أُسس تحت ضغط الحاجة العسكرية للفرنسيين، والذين اتخذوا منها موقعًا لإسطبل للخيول ومخزنًا لبارود مدفعيتهم، والتي كانت تصوّب فوهاتها نحو قلعة قايتباي.

ومع رحيل الحملة الفرنسية خطر لأحدهم تحويل تلك الجغرافيا المختنقة إلى سوق تجاري لعرض بضاعته المجلوبة من الشمال الأفريقي. وتوافد إلى ذلك السوق عشرات التجار الليبيين والمغاربة والجزائريين، حاملين معهم الأواني الخزفية والشراشف والأمتعة المنزلية والأعشاب الطبية، محدثين ضجيجًا جاذبًا معه يهودًا أقاموا سوقًا للذهب والصرافة، وهو ما يُسمى الآن شارع “الصاغة”، وأتراكًا عرضوا سحر فنونهم في الأقمشة والحلويات التركية، طاردين بالمذبات أزيز الذباب الذي يحوم حول حلوَاهم، فضلًا عن عشرات المتسولين والشحاذين في ميدان متاخم للزنقة، وهو ما يُعرف الآن بميدان المنشية.

نشأة السوق وتنوعه التجاري

لم تكن زنقة الستات مجرد سوق للأقمشة، بل كانت بوتقة تنصهر فيها ثقافات مختلفة. تجار من ليبيا والمغرب والجزائر، بالإضافة إلى الأتراك واليهود، ساهموا في تشكيل هوية هذا الحي الفريد. هذا التنوع التجاري جعلها نقطة جذب للعديد من الزوار، مما أدى إلى ازدهارها وتوسعها. كانت الأواني الخزفية والشراشف والأعشاب الطبية والحلويات التركية والذهب من بين أبرز السلع التي تباع في هذا السوق.

أساطير زنقة الستات: ريا وسكينة وما وراءهما

من ريا وسكينة إلى أمين الحرامي، في الأماكن الضيقة والمختنقة تولد الأسطورة من تلقاء نفسها. لا تحتاج الأسطورة في مثل تلك الأماكن إلى من يرسّخها، وإنما يكفي غلق غرفة مظلمة على أحدهم حتى يولد من الظلام شياطين وزواحف تعود إلى عصر ما قبل التاريخ. “يكفي أن تخاف كي تموت خوفًا”، سمعت أمي تقول ذات مرة. تُعدّ زنقة الستات مثالًا لهواجس الخوف الإنساني، فعلى مدار سنوات نُسجت حول المكان أساطير عديدة.

وأكثر هذه الأساطير رسوخًا هي قصة ريا وسكينة، والتي يُشاع أنها وُلدت بين جنبات الزنقة، حيث كانت بالنسبة إليهن مركز استطلاع ورصد لطرائدهن من النساء اللواتي كن يأتين لشراء حاجاتهن التزينية، دون أن يدركن أن الموت ينصب لهن فخًا في الجانب الآخر من الطريق.

شخصيات أسطورية أخرى

لم تقتصر الأساطير على ريا وسكينة. شخصية “أمين الحرامي” أيضًا أصبحت جزءًا من فولكلور الزنقة. كان أمين الحرامي يشتهر ببيع الأقمشة الرديئة على أنها جيدة، والمصنوع محليًا على أنه قادم من بلاد الخواجات. هذه الشخصيات الأسطورية تعكس الجانب المظلم من زنقة الستات، وتزيد من غموضها وجاذبيتها.

زنقة الستات اليوم: بين التدهور والتغيير

أمام صف طويل من مجسّمات بلاستيكية حاول سلطان عبد المجيد (50 عامًا) أن يسترد ما كان بالنسيان قابعًا، وقال: “ريا بنت همام وأختها سكينة بنت همام كنّ يأتين إلى هنا لاصطياد ضحايا من النساء والذهاب بهن حيث سيرقدن إلى الأبد بلا مصاغ وأوشحة فاخرة…”.

مضيفًا: “الزنقة ضيقة للغاية، ويتوافد عليها مئات النساء يوميًا. بإمكان أي محتال أن يمارس بحرية نشاطه المشبوه دون أن يثير الظنون. أعتقد أن ريا وأختها سكينة كانتا تعيان ذلك تمامًا”.

تنهار زنقة الستات دفعة واحدة، ولا بقرار إداري، بل انهارت دون احتضار، كما تنهار الأشياء من تلقاء نفسها. كل يوم كانت تسقط منها قطعة صغيرة، حتى استيقظت ذات صباح فوجدت نفسها أقلّ مما كانت، وأفقر مما يُحتمل أن يُحب. في المساء، بعد أن تُغلق الدكاكين أبوابها، تتبدل ملامح الزنقة. الصمت لا يحلّ، بل يُستبدل بضجيج آخر: خطوات مترددة، همسات، أشياء تُباع ولا تُسجّل.

التحديات الحالية والمستقبل المجهول

تواجه زنقة الستات اليوم العديد من التحديات، بما في ذلك انتشار البضائع المقلدة والمضاربات المصرفية المحرّمة. كما أن الزنقة أصبحت مرتعًا للشباب الذين يحاولون استغلال الفتيات في علاقات غرامية. هذه التحديات تهدد بتقويض هوية الزنقة وتراثها. بالإضافة إلى ذلك، يشير السكان المحليون إلى أن الزنقة تتحول ليلًا إلى وكر لبيع المواد المخدرة، وأن بعض الوافدين يتقمصون دور المرشدين السياحيين في محاولة لاستغلال السائحين. مستقبل زنقة الستات غير واضح، ولكن هناك حاجة ماسة إلى تدخل عاجل للحفاظ عليها وحمايتها. السوق الشعبي في الإسكندرية، أو أسواق الإسكندرية بشكل عام، يحتاج إلى دعم للحفاظ على هويته.

في الختام، زنقة الستات ليست مجرد سوق أو حيّ، بل هي رمز لتاريخ الإسكندرية وثقافتها. إنها مكان يجمع بين الأساطير والواقع، بين الجمال والقبح، بين الأمل واليأس. إنها قصة تستحق أن تُروى، وأن تُحكى للأجيال القادمة. نتمنى أن تشهد زنقة الستات مستقبلًا أفضل، وأن تستعيد مجدها السابق.

شاركها.
اترك تعليقاً