في أكتوبر/تشرين الأول 2015، أبرمت أريان دي روتشيلد، الرئيسة التنفيذية لمجموعة “إدموند دي روتشيلد” المصرفية السويسرية، صفقة بقيمة 25 مليون دولار مع شركة “ساوثرن ترست”. هذه الصفقة، التي وُصفت ظاهريًا بأنها لتقديم خدمات “تحليل المخاطر وتطبيق خوارزميات”، سرعان ما كشفت عن وجه خفي، حيث تبين أن “ساوثرن ترست” كانت واجهة لشبكة معقدة مرتبطة بجيفري إبستين، الممول المدان بجرائم الاتجار الجنسي بالقاصرات. هذه القضية، وما تلاها من كشف عن علاقات متشابكة مع شخصيات نافذة مثل إيهود باراك ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، تثير تساؤلات مقلقة حول تصدير تقنيات المراقبة السيبرانية الإسرائيلية، وكيفية استغلال الثغرات في الأنظمة القانونية لتجاوز الرقابة. هذا المقال سيتناول تفاصيل هذه الشبكة، وكيف تم استغلالها لتصدير تقنيات المراقبة، والدور الذي لعبه كل من إبستين وباراك في هذه العملية.
## شبكة الظل: إبستين، باراك، ودي روتشيلد
لم تكن العلاقة بين أريان دي روتشيلد وجيفري إبستين مجرد صفقة تجارية عابرة. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2013، أرسل إبستين رسالة بريد إلكتروني إلى إيهود باراك، ينقل فيها عرضًا من دي روتشيلد: “إذا أراد إيهود أن يجني أموالًا طائلة، فعليه أن يبني علاقة معي”. رد باراك بالإيجاب، طالبًا النصيحة حول كيفية تحقيق ذلك، ليجيبه إبستين بأربع كلمات موجزة: “الوقت، والاهتمام، والثبات، والتكرار”. هذه الرسائل، بالإضافة إلى آلاف الوثائق الأخرى التي كشفت عنها تحقيقات مختلفة، تشير إلى وجود قناة خلفية لتصدير تقنيات المراقبة السيبرانية الإسرائيلية، تم إدارتها من قبل إبستين وباراك، واستغلال العديد من المؤسسات لتحقيق ذلك.
## تصدير تقنيات المراقبة: ثغرات قانونية واستغلال سياسي
إسرائيل لديها نظام رسمي لتصدير تقنيات الدفاع والمراقبة، يخضع لقانون مراقبة الصادرات الدفاعية لعام 2007. ومع ذلك، يتضمن القانون ثغرة تسمح بتجاوزه في الحالات التي تتعلق بـ “المصالح الدبلوماسية أو الأمنية”، مما يفتح الباب أمام تجاهل اعتبارات حقوق الإنسان. بالإضافة إلى ذلك، فإن قائمة الدول المسموح لها بالشراء والمنتجات المصرح بتصديرها سرية تمامًا، وقد توسعت عدة مرات دون أي إفصاح علني.
على المستوى الدولي، يفترض أن تنظم “اتفاقية واسينار” تجارة أدوات المراقبة السيبرانية، لكن فعاليتها محدودة، حيث لا تضم سوى 40 دولة، وقراراتها غير ملزمة قانونيًا. والأهم من ذلك، أن إسرائيل ليست عضواً في هذه الاتفاقية، وتدعي الالتزام بمعاييرها بشكل أحادي، لكنها تعمل خارج إطارها الرقابي بالكامل. وقد استخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذه الأدوات علنًا كأداة ضغط دبلوماسية، مما يؤكد أن القناة الرسمية لتصدير التقنيات لا تخضع لمعايير حقوقية بقدر ما تخضع للحسابات السياسية.
## دور جيفري إبستين: الوسيط بين المال والسلطة
لم يكن جيفري إبستين مجرد ثري ذي علاقات واسعة، بل كان وسيطًا يتحرك عند تقاطع رأس المال والسلطة والتقنية. كان يتمتع بميزة فريدة: الوصول المتزامن إلى نخب متعددة. ففي مايو/أيار 2014، حث إبستين إيهود باراك على قضاء الوقت مع بيتر ثيل، مؤسس شركة “بالانتير” للبيانات الاستخبارية، أحد أبرز المستثمرين في تقنيات المراقبة الحكومية. لم يقتصر دور إبستين على الاستثمار في التقنيات السيبرانية الإسرائيلية، بل سعى لعرضها على صناديق الاستثمار الأمريكية المتخصصة.
## إيهود باراك: المصداقية الاستخباراتية والعسكرية
إذا كان إبستين يوفر الوصول، فإن إيهود باراك كان يقدم المصداقية. كرئيس وزراء سابق ورئيس أركان ووزير دفاع، كان باراك يحمل معه ثقل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، حتى بعد تركه منصبه الرسمي. ففي سبتمبر/أيلول 2013، اقترح أهارون زئيفي فركاش، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، نظام تنصت وطني شامل لدولة ساحل العاج، وأرسل المقترح مباشرة إلى إيهود باراك.
## البنوك الخاصة: غسل الأموال وتوفير الشرعية
لم يقتصر دور الشبكة على إبستين وباراك، بل امتد ليشمل البنوك الخاصة التي وفرت البنية التحتية المالية اللازمة. ففي نفس الوقت الذي أبرمت فيه أريان دي روتشيلد صفقة مع “ساوثرن ترست”، قرر إبستين الاستثمار في شركة مراقبة إسرائيلية. بنك إدموند دي روتشيلد وبنك جوليوس باير السويسري لعبا دورًا في توفير التمويل والشرعية لهذه الصفقات.
## حالة ساحل العاج: نموذج للتصدير غير القانوني
تُظهر حالة ساحل العاج كيف تم استغلال هذه الشبكة لتصدير تقنيات المراقبة. ففي عام 2012، سافر واتارا إلى القدس والتقى بوزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك، بينما كان إبستين يلتقي بابن الرئيس في نيويورك. بعد ذلك، تم إبرام اتفاقية أمنية بين إسرائيل وساحل العاج، وتم استخدام برمجية بيغاسوس للتجسس داخل البلاد.
## حالة منغوليا: تكرار النمط
تكرر نفس النمط في منغوليا، حيث لعب إبستين وباراك دورًا في تمهيد الطريق أمام صناعة الحرب السيبرانية الإسرائيلية. تم تشكيل فريق استشاري يضم خبراء دوليين، وتقديم مقترحات عسكرية مفصلة، وعقد اجتماعات مع المسؤولين المنغوليين، مما أدى في النهاية إلى اتفاقية أمنية بين البلدين.
## الخلاصة: شبكة معقدة تتطلب تحقيقًا شاملاً
تكشف هذه القضية عن شبكة معقدة من العلاقات المشبوهة، واستغلال الثغرات القانونية، وتصدير تقنيات المراقبة السيبرانية الإسرائيلية بطرق غير قانونية. الدور الذي لعبه كل من إبستين وباراك والجهات المالية المتورطة يثير تساؤلات جدية حول الشفافية والمساءلة. من الضروري إجراء تحقيق شامل لكشف جميع الحقائق، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، وضمان عدم تكرارها في المستقبل. هذه القضية ليست مجرد فضيحة تتعلق بشخصيات نافذة، بل هي تهديد للديمقراطية وحقوق الإنسان.















