في خضم التوترات الدولية المتصاعدة، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مبادرة جديدة تهدف إلى إعادة تشكيل جهود السلام العالمية، وهي “مجلس السلام”. هذا المجلس، الذي شهد اجتماعه الافتتاحي بحضور ممثلين عن حوالي 50 دولة، يضع إعادة إعمار غزة في صدارة أولوياته، لكنه يتجاوز ذلك ليشمل معالجة نزاعات دولية أخرى. يهدف هذا المقال إلى تحليل أبرز ملامح هذا المجلس، وتوقعاته، والتحديات التي قد تواجهه، مع التركيز على مجلس السلام ودوره المحتمل في مستقبل العلاقات الدولية.

تعهدات مالية ضخمة لإعادة إعمار غزة

أعلن الرئيس ترمب تخصيص مبلغ 10 مليارات دولار لصالح مجلس السلام لتمويل عملية إعادة إعمار غزة، معتبراً أن هذا المبلغ، على الرغم من ضخامته، لا يزال متواضعاً مقارنة بحجم الدمار الهائل الذي لحق بالقطاع. وتأتي هذه الخطوة في ظل حاجة إنسانية واقتصادية ملحة، حيث يواجه سكان غزة ظروفاً معيشية صعبة للغاية.

بالإضافة إلى التمويل الأمريكي، أشار البيت الأبيض إلى تلقي تعهدات بقيمة 6.5 مليار دولار من دول أخرى. وستُودع هذه الأموال في صندوق خاص بالبنك الدولي، تحت اسم “صندوق إعادة إعمار وتنمية غزة”، على أن يتولى مجلس السلام، برئاسة ترمب، إدارة هذه الأموال. لكن علي شعث، رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة، حذر من أن تنفيذ الخطة سيواجه “ظروفاً بالغة الصعوبة” بسبب الدمار الواسع والاحتياجات الإنسانية المتزايدة.

تحديات التنفيذ على أرض الواقع

على الرغم من التعهدات المالية، يواجه تنفيذ خطة إعادة الإعمار تحديات كبيرة. سيطرة حركة حماس على أجزاء من القطاع، وعدم إعلانها استعدادها الكامل للتخلي عن سلاحها، يمثل عقبة رئيسية. الجانب الأمريكي منح الحركة مهلة 60 يوماً للتخلي عن أسلحتها، مع تحذيرات إسرائيلية من استئناف العمليات العسكرية في حال عدم الالتزام بذلك.

هل يتجاوز مجلس السلام دور الأمم المتحدة؟

يثير مجلس السلام تساؤلات حول دوره وعلاقته بالأمم المتحدة. على الرغم من تأكيد ترمب على التنسيق مع المنظمة الدولية، إلا أنه ألمح إلى إمكانية أن يتجاوز دوره الأمم المتحدة في المستقبل. هذا الطموح أثار تحفظات أوروبية، حيث امتنعت بعض دول الاتحاد الأوروبي عن الانضمام إلى المجلس بسبب غموض هيكله وصلاحياته.

ترمب عين نفسه رئيساً مدى الحياة للمجلس، وعرض عضوية دائمة للدول التي تتعهد بتقديم مليار دولار، مما أثار انتقادات حول الشفافية والديمقراطية في اتخاذ القرارات. هذه الشروط قد تعزز من الشكوك حول مدى استقلالية المجلس وقدرته على العمل بشكل محايد.

تصعيد الضغط على إيران

لم يقتصر مجلس السلام على ملف غزة، بل امتد ليشمل ملف إيران النووي. منح ترمب إيران مهلة أيام لإبرام “صفقة مجدية” في المباحثات الجارية، مهدداً بـ “أمور سيئة” في حال عدم التوصل إلى اتفاق. في المقابل، دافعت إيران عن حقها في تخصيب اليورانيوم.

تتمثل مطالب إدارة ترمب في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، ووقف برنامجها للصواريخ الباليستية، وحل الجماعات المسلحة الحليفة لها في المنطقة. من المتوقع أن تقدم إيران مقترحاً خطياً يحدد كيفية إنهاء المواجهة مع الولايات المتحدة ومعالجة مخاوفها. هذا التصعيد يضيف بعداً جديداً من التعقيد إلى المشهد الإقليمي.

انقسام دولي حول المجلس

من بين الدول المدعوة، وقعت 26 دولة فقط على ميثاق مجلس السلام، بينما تريثت دول أخرى. لوّح ترمب بضغط غير مباشر على الدول المترددة، مؤكداً أن “الجميع سينضم في النهاية”. في المقابل، استغل قادة مثل رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان ورئيس وزراء باكستان شهباز شريف فرصتهم للتحدث لمدح ترمب، مما عكس انقساماً دولياً بين داعمين يرون في المجلس أداة فعالة، ومتحفظين يخشون تهميش دور الأمم المتحدة.

مستقبل المجلس وتأثيره المحتمل

في الختام، يمثل مجلس السلام محاولة من الرئيس ترمب لرسم إطار جديد لقيادة جهود السلام وفق رؤيته الخاصة. ومع ذلك، يواجه المجلس تحديات كبيرة، بما في ذلك الشكوك حول هيكله وصلاحياته، والانقسام الدولي حول دوره، والتوترات الإقليمية المتصاعدة. يبقى السؤال المطروح هو: هل سينجح ترمب في تحويل طموحاته إلى نتائج ملموسة، أم أن المجلس سيصبح مجرد مبادرة أخرى تفشل في تحقيق أهدافها؟ من الضروري متابعة تطورات هذا المجلس وتقييم تأثيره على مستقبل العلاقات الدولية، مع الأخذ في الاعتبار التحديات والفرص التي يمثلها. الوضع في غزة، والملف النووي الإيراني، ومستقبل دور الأمم المتحدة، كلها قضايا ستتأثر بشكل كبير بمسار هذا المجلس.

شاركها.
اترك تعليقاً