عندما نشر الكاتب إحسان عبد القدوس روايته الاجتماعية الشهيرة “لن أعيش في جلباب أبي” عام 1982، لم يكن يتوقع أن تتحول شخصية التاجر العصامي عبد الغفور البرعي إلى واحدة من أكثر الشخصيات رسوخًا في الوجدان العربي، لا المصري فحسب. لكن المسلسل التلفزيوني المقتبس، والذي حمل الاسم نفسه، هو ما رسخ هذه الشخصية في أذهان الأجيال. هذا المقال يستكشف أسباب استمرار تأثير عبد الغفور البرعي كرمز اجتماعي وثقافي، وكيف حافظت شخصيته على حيويتها حتى في عصر وسائل التواصل الاجتماعي.

نجاح ساحق وتأثير اجتماعي لـ “لن أعيش في جلباب أبي”

لم يكن نجاح المسلسل مجرد نجاح فني، بل كان ظاهرة اجتماعية. عرض المسلسل في شهر رمضان 1996، ليصبح حديث المجالس والشوارع. كانت الدراما الرمضانية في تلك الفترة حدثًا جماعيًا، وتجمع الأسر حول الشاشة. لم يقتصر الأمر على نسب المشاهدة العالية، بل امتد ليشمل النقاشات اليومية حول قضايا المسلسل وشخصياته.

العمل لم يكتفِ بتقديم قصة صعود اقتصادي، بل لامس تحولات اجتماعية واقتصادية مهمة في المجتمع المصري في التسعينيات، مثل صعود رجال الأعمال الجدد وتغير القيم بين الأجيال. لقد كان نموذجًا للدراما الاجتماعية الممتدة التي تمزج بين الحكاية الشعبية والطرح الطبقي، مما عزز مكانته في الذاكرة الجمعية. تدور أحداث المسلسل حول رحلة عبد الغفور من عامل بسيط في وكالة البلح إلى تاجر ثري، مع التركيز على الثمن الإنساني الذي يدفعه في سبيل النجاح.

عبد الغفور البرعي: بين الحماية والهيمنة الأبوية

تكمن قوة شخصية عبد الغفور البرعي في تعقيداتها وتناقضاتها. فهو أب يحاول حماية أسرته وتأمين مستقبلها، لكن أساليبه غالبًا ما تكون متسلطة وغير مرنة. يرفض طموحات ابنه في التعليم، ليس تقليلًا من شأن العلم، بل خوفًا من أن يبتعد عن الطريق الذي أثبت نجاحه.

هذا التباين بين جيلين يمثل صراعًا وجوديًا. يرى الأب في تمرد ابنه إنكارًا للجميل، بينما يرى الابن في سلطة والده قيدًا على حريته. يمكن القول إن عبد الغفور أب يتمتع بإحساس عالٍ بالمسؤولية، لكنه يقع أحيانًا في فخ الخلط بين الحماية والهيمنة. ومع ذلك، لا يمكن اختزاله في صورة الأب القاسي، لأن لحظات ضعفه وقلقه على أسرته تكشف عن إنسان يخشى الفقد أكثر مما يعشق السيطرة.

العلاقة الزوجية كمرآة للقيم المجتمعية

علاقة عبد الغفور بزوجته تعكس أيضًا القيم المجتمعية السائدة في تلك الفترة. لقد أحبها منذ اللحظة الأولى وظل وفيًا لها وحريصًا على إسعادها، لكنه في الوقت نفسه حافظ على نظام صارم داخل البيت. هذا النظام كان متسقًا مع قوانين البيئة التي ترى أن دور الرجل هو الإنفاق وتوفير الحماية مقابل الاحترام والطاعة. الاستقرار، في هذا السياق، يتحقق عبر وضوح الأدوار داخل المنزل.

على الرغم من الانتقادات التي قد توجه إليه اليوم، إلا أن عبد الغفور لم يظهر كشخصية طاغية تميل إلى العنف أو الإهانة، بل كرجل تقليدي يحاول حماية عالمه من الانهيار. ذكوريته لم تكن قهرًا فجًا، بل قناعة راسخة تشكلت في سياق اجتماعي وزمني محدد.

من الشاشة إلى منصات التواصل: استمرار رمزية عبد الغفور البرعي

بالعودة إلى الرواية، نجد أن عبد الغفور يظهر كنموذج للتحول الطبقي والتمرد على إرث الأب. أما في النسخة التلفزيونية، فقد اكتسبت الشخصية أبعادًا إنسانية أكثر دفئًا، بفضل أداء الفنان نور الشريف المتميز. هكذا لم يعد عبد الغفور البرعي رمزًا اجتماعيًا فحسب، بل إنسانًا من لحم ودم: يخطئ ويندم ويتردد ويعيد حساباته.

هذا التناقض بين القوة والهشاشة هو ما منح الشخصية خلودها وجعل الجمهور يتعاطف معها حتى حين يختلف معها. الأهم من ذلك، سمح للمشاهد أن يرى فيه صورة قريبة لأب أو عم أو جار صنع نفسه بعرقه ثم بات عاجزًا عن فهم عالم يتغير بسرعة.

لم يتوقف تأثير عبد الغفور البرعي عند حدود العرض التلفزيوني. فقد ساهمت منصات التواصل الاجتماعي في إعادة إحياء الشخصية عبر تداول الصور وأشهر الجمل في “الميمز” و”الكوميكس”. هذا التداول الرقمي لم يفرغ الشخصية من معناها، بل أعاد تقديمها لجيل جديد لم يشاهد المسلسل من الأساس، مما عزز مكانتها كرمز ثقافي. الدراما المصرية بشكل عام، و هذه الشخصية بشكل خاص، لا تزال تلهم النقاشات و تعكس واقع المجتمع.

الخلاصة: إرث دائم لشخصية أيقونية

شخصية عبد الغفور البرعي ليست مجرد شخصية درامية، بل هي مرآة تعكس صراعات الأجيال والقيم المجتمعية. بين الصرامة والقلق، وبين السلطة والحب، بقيت هذه الشخصية تتجاوز زمنها، لأنها تمس جوهر العلاقة المعقدة بين الآباء والأبناء في مجتمع دائم التحول. إن قدرة هذه الشخصية على الاستمرار في إثارة النقاش والتفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي دليل على تأثيرها الدائم وإرثها الثقافي الغني. هل ستظل شخصية عبد الغفور البرعي حاضرة في الذاكرة الجمعية للأجيال القادمة؟ هذا ما ستكشف عنه السنوات القادمة.

شاركها.
اترك تعليقاً