تصعيد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران يثير مخاوف من مواجهة عسكرية مباشرة، وهو ما يتجلى في التحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط. هذا الانتشار المكثف للقوات، الذي وصفه البعض بأنه تحضير لسيناريوهات شبيهة بغزو العراق عام 2003، يأتي في ظل استمرار المفاوضات الدبلوماسية غير المباشرة في جنيف، ومهلة زمنية محددة من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لإبرام “صفقة مجدية” مع طهران.
التحركات العسكرية الأمريكية وتصاعد التوتر
كشفت التقارير الإعلامية المتطابقة، التي نشرتها صحف مثل وول ستريت جورنال ونيويورك تايمز، عن نشر الولايات المتحدة لقوات جوية وبحرية ضخمة في منطقة الشرق الأوسط. يشمل هذا الانتشار مقاتلات شبحية متطورة، وطائرات دعم وقيادة، وأنظمة دفاع جوي، بالإضافة إلى مجموعتي حاملات طائرات. هذا الحشد العسكري يعتبر الأكبر من نوعه منذ عام 2003، مما يعزز المخاوف من أن واشنطن تستعد لسيناريو عسكري محتمل.
حجم الانتشار العسكري وتشبيهات بغزو العراق
وفقًا لتحليل نشرته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، فإن واشنطن نشرت قوة تكفي لخوض حملة جوية تمتد لأسابيع. وقد شبه مسؤولون سابقون هذا الانتشار بالتحضيرات التي سبقت غزو العراق عام 2003، مشيرين إلى كثافة القوة الجوية. هذا المستوى من الاستعداد العسكري يثير تساؤلات حول نوايا الإدارة الأمريكية، وما إذا كانت تسعى حقًا إلى حل دبلوماسي، أم أنها تستخدم القوة كأداة ضغط لتحقيق أهدافها.
مهلة ترمب والمفاوضات النووية
منح الرئيس دونالد ترمب إيران مهلة أيام لإبرام “صفقة مجدية” في المباحثات الجارية، مهددًا إياها بـ “أمور سيئة” في حال عدم التوصل إلى اتفاق. في المقابل، أكدت طهران سعيها لإعداد مسودة تفاوضية تحقق مصالحها ومصالح واشنطن. هذا التناقض في التصريحات يعكس صعوبة التوصل إلى حلول مرضية للطرفين، ويؤكد على هشاشة الوضع الحالي.
موقف إيران والرد المحتمل على أي عدوان
حذرت إيران من أنها سترد “بحزم وبصورة متناسبة” إذا تعرضت لأي عدوان عسكري، مؤكدة أن جميع القواعد والمنشآت العسكرية التابعة للقوة المهاجمة في المنطقة ستكون “أهدافًا مشروعة” في إطار ردها الدفاعي. هذا التحذير يمثل رسالة واضحة لواشنطن، ويشير إلى أن أي عمل عسكري قد يؤدي إلى تصعيد خطير في المنطقة.
تقييمات الخبراء والمحللين العسكريين
يرى خبراء ومسؤولون سابقون في وزارة الحرب (البنتاغون) أن حجم هذه التعزيزات العسكرية الأمريكية بالمنطقة وسرعة تنفيذها يجعلان الهجوم يبدو أكثر احتمالا من أي وقت مضى. مجلة نيوزويك نقلت عن بيكا واسر، خبيرة الإستراتيجية العسكرية في مركز الأمن الأمريكي الجديد، قولها إن “هذا حشد يشبه تمامًا ما رأيناه قبل حرب العراق عام 2003”.
سيناريوهات محتملة للهجوم الأمريكي على إيران
تشير التوقعات إلى أن أي هجوم سيقرره الرئيس ترمب على إيران سيتجاوز حجم العملية العسكرية التي استهدفت منشآت نووية إيرانية متفرقة في الصيف الماضي. الخيارات المحتملة تشمل جولات جديدة من الضربات العسكرية الموجهة، أو اغتيالات لكبار القادة الإيرانيين، أو حملة عسكرية طويلة الأمد قد تشبه حرب خليج ثالثة.
المخاطر المحتملة وسوء التقدير
حذرت فايننشال تايمز من أن “خطر سوء التقدير وسوء الفهم مرتفع للغاية في الوقت الحالي”، لا سيما أن هذا المستوى من الاستثمار العسكري يجعل من الصعب على واشنطن قبول أنصاف الحلول في مفاوضات جنيف. البيانات تشير إلى تحركات لوجستية مكثفة، بما في ذلك 39 ناقلة وقود جوي و29 طائرة نقل ثقيل، بالإضافة إلى توجه حاملة الطائرات الأحدث (جيرالد فورد) للانضمام إلى زميلتها (أبراهام لينكولن).
الاستعدادات الإيرانية والتحركات الدفاعية
في المقابل، أظهرت صور الأقمار الصناعية تحركات دفاعية إيرانية لتحصين المنشآت النووية، تزامنا مع مناورات بحرية مشتركة مع روسيا. هذا يشير إلى أن المنطقة باتت فوق صفيح ساخن ينتظر ساعة الصفر، وأن إيران تستعد لمواجهة أي تهديد محتمل. التصعيد العسكري يهدد بزعزعة استقرار المنطقة بأكملها.
مستقبل المفاوضات النووية
في الوقت الذي تتواصل فيه المحادثات النووية، تبقى الشكوك قائمة بشأن مدى استعداد ترمب لقبول أي تسوية لا تتناسب مع حجم الاستثمار العسكري الذي تم ضخه في المنطقة. فايننشال تايمز خلصت إلى أن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان هذا الحشد وسيلة ضغط قصوى، أم مقدمة فعلية لمواجهة عسكرية واسعة النطاق. التوترات الإيرانية الأمريكية تتطلب حوارًا بناءً لتجنب كارثة.
البيت الأبيض يرغب في التوصل إلى اتفاق أكثر تقييدًا من اتفاق عام 2015، ومن المرجح أن يتضمن قيودًا على برنامج إيران للصواريخ الباليستية. سفير إيران لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني حذر من خطورة التهديدات الأمريكية باستخدام القوة، واصفًا إياها بأنها “تعبّر عن خطر حقيقي لاندلاع عدوان عسكري”. البرنامج النووي الإيراني هو محور الخلاف الرئيسي بين الطرفين.
في الختام، الوضع في الشرق الأوسط يتسم بالتعقيد الشديد والهشاشة. التحركات العسكرية الأمريكية، ومهلة ترمب لإيران، والتحذيرات المتبادلة، كلها عوامل تزيد من خطر اندلاع مواجهة عسكرية. يبقى الأمل معلقًا على المفاوضات الدبلوماسية، ولكن النجاح يتطلب تنازلات من كلا الطرفين، وتجنب أي سوء تقدير قد يؤدي إلى كارثة.















