أزمة السرطان في لبنان تتصاعد وسط انهيار صحي واقتصادي

تشهد أزمة السرطان في لبنان تزايداً حاداً في الإصابات والوفيات، بحسب دراسة نُشِرت في أكتوبر/تشرين الأول 2025 في مجلة ذا لانسيت. وترافق هذا الاتجاه مع انهيار اقتصادي ونقص موارد طبية وتداعيات القصف، ما أعاق قدرة المرضى على الوصول إلى التشخيص والعلاج، وزاد من ضغوط النظام الصحي المتأثر أساساً بموجة هجرة الكوادر وارتفاع تكاليف الأدوية.

أرقام ومؤشرات العبء المرضي

تشير بيانات المرصد العالمي للسرطان التابع للوكالة الدولية لأبحاث السرطان إلى ارتفاع ملحوظ في حالات السرطان بين 1990 و2023، حيث ازدادت الإصابات والوفيات بنسب كبيرة خلال هذه الفترة. وفي عام 2022 سجل لبنان أكثر من ثلاثة عشر ألف إصابة جديدة، وآلاف الوفيات المرتبطة بالمرض، مع أعداد كبيرة من المرضى يعيشون على قيد الحياة خلال السنوات الخمس السابقة، ما يضع عبئاً كبيراً على نظام صحي هش.

تصدر سرطانات الثدي والرئة والبروستاتا والقولون والمثانة قائمة الأنواع الأكثر شيوعاً، وتفرض هذه المعطيات احتياجات متزايدة للعلاج والكشف المبكر والوقاية.

أسباب متداخلة لتفاقم أزمة السرطان في لبنان

تقترن أزمة السرطان في لبنان بعدة عوامل متشابكة: الانهيار الاقتصادي الذي بدأ منذ 2019 وأدى إلى تراجع قدرة الأسر على تحمل تكاليف الرعاية الصحية، هجرة الأطباء والممرضين، ونقص التمويل والمستلزمات الطبية. بالإضافة إلى ذلك، أثرت عمليات القصف والنزوح على انتظام جلسات العلاج ومتابعات المرضى.

في المقابل، تفاقمت مشكلة تلوث الهواء الناتج عن الاعتماد على مولدات الديزل، فيما يبقى معدل التدخين في لبنان من بين الأعلى إقليمياً، مما يزيد من مخاطر الإصابة بعدة أنواع من السرطان.

التدخين في لبنان وتأثيره على معدلات السرطان

يعد التدخين في لبنان عاملاً أساسياً في ارتفاع نسب الإصابات، فبحسب بيانات منظمة الصحة العالمية يدخن نحو ثلث السكان، ما يجعل “التدخين في لبنان” من أهم أولويات الصحة العامة للحد من عبء السرطان. وليس سرطان الرئة وحده المعني، بل يساهم التبغ في زيادة خطر سرطانات متعددة.

لذلك تبرز أهمية سياسات الحد من التدخين، وفرض ضوابط الإعلان وفرض ضرائب فعالة، إلى جانب برامج الإقلاع والدعم النفسي والطبي للراغبين في التوقف عن التدخين.

نقص الأدوية والمستشفيات خارج الخدمة يعرقل العلاج

ذكر وزير الصحة العامة ركان ناصر الدين خلال مشاركته في مؤتمر أسكو 2026 أن نحو 15% من المستشفيات التي كانت تقدم خدمات لعلاج السرطان خرجت من الخدمة، فيما اضطرت نسبة معتبرة من الصيدليات إلى التوقف عن توفير أدوية عينية، بما في ذلك علاجات كيميائية أساسية. وبحسب المصادر الرسمية، اضطر أكثر من ألف مريض يتلقون علاجاً إلى النزوح، ما عرضهم لخطر انقطاع العلاج.

ونتيجة لنقص الأدوية وارتفاع تكاليفها، يعاني المرضى وأسرهم أعباء مالية كبيرة، بينما يواجه الأطباء صعوبة في الحفاظ على استمرارية البروتوكولات العلاجية بسبب انقطاع الإمدادات واضطراب مواعيد العلاج.

الكشف المبكر والحملات الوقائية كاستجابة فورية

أطلقت وزارة الصحة العامة حملة وطنية بالتعاون مع شركة أسترازينيكا بمناسبة اليوم العالمي لسرطان الرئة تحت شعار يحث على الإقلاع والكشف المبكر. وتركز الحملة على توسيع نقاط الكشف، زيادة الوعي بعلامات التحذير، وتشجيع الفحوص الدورية خصوصاً للمعرضين لمخاطر التدخين وتلوث الهواء.

في الوقت نفسه، تشير الجهات الصحية إلى أن برامج الكشف المبكر وحدها لا تكفي ما لم يترافق معها تأمين مستدام للأدوية ودعم للمراكز التي تقدم علاجات متقدمة، بالإضافة إلى مبادرات للحد من التدخين في لبنان وإجراءات للحد من تلوث الهواء.

تداعيات بيئية واجتماعية تزيد الأزمة تعقيداً

أدى تزايد الاعتماد على مولدات الديزل نتيجة انقطاع الكهرباء إلى تصاعد تلوث الهواء في المناطق الحضرية والمكتظة، مما يضيف عاملاً بيئياً إلى عوامل الخطر. من ناحية أخرى، يفاقم النزوح الداخلي والتشرد من صعوبة استكمال الخطط العلاجية والمواعيد الضرورية للمرضى.

علاوة على ذلك، أدت هجرة الكفاءات الطبية إلى تقليل القدرة الاستيعابية للمراكز المتخصصة، ما يجعل الاستجابة لاحتياجات المرضى أبطأ وأقل فاعلية.

خاتمة: ما الذي ينتظر المرضى والسلطات؟

تستدعي أزمة السرطان في لبنان استجابة متكاملة تجمع بين تعزيز خدمات الكشف المبكر، تأمين سلس للإمدادات الدوائية، وسياسات فعالة للتقليل من التدخين وتلوث الهواء. ويجب أن تراقب الجهات المعنية خلال الأشهر المقبلة تنفيذ برامج دعم المستشفيات وإعادة تأهيل المنشآت المتضررة وتوسيع برامج الكشف الوطني.

على المدى القريب، ينبغي متابعة نتائج الحملات التوعوية ومؤشرات توفر الأدوية ومستوى استعادة الخدمات، بينما يبقى العامل الدولي والدعم المالي محورا أساسيا لتخفيف العبء عن المرضى وإعادة بناء قدرة النظام الصحي على مواجهة هذا التحدي.

شاركها.
اترك تعليقاً