منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، يعيش الإيرانيون، على مدى أجيال متعاقبة، واقعاً مريراً ضمن بيئة مشحونة بالأزمات والضغوط. هذا الواقع المعقد، الذي يمزج بين التحديات الاقتصادية والتوترات السياسية، أثر بعمق على النسيج الاجتماعي الإيراني، وظهرت انعكاساته جلية في مختلف جوانب الحياة، بما في ذلك السينما الإيرانية. فكيف استطاعت السينما الإيرانية أن تكون بمثابة مرآة تعكس هذا الواقع القاسي؟

السينما الإيرانية: مرآة تعكس أزمة الهوية والوجود

الاقتصاد الإيراني يعاني لعنة العقوبات، والتوترات السياسية والأمنية لا تتوقف، وتتجدد الاحتجاجات كلما بلغ الضغط الاجتماعي ذروته. غير أن الكابوس الأكبر يتمثل في تصاعد التهديدات العسكرية الخارجية، وما يترتب عليها من احتمال الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة. هذه الأزمات المتلاحقة لم تقتصر على التأثيرات المادية، بل ألقت بظلالها على المواطن الإيراني، ووضعته في حالة من انعدام اليقين بمستقبله، ودفعت بالمنظومة الأخلاقية إلى اختبارات قاسية.

نتيجة لذلك، انقسم الإيرانيون بين صامد يتحمل الثمن الباهظ، وغاضب من كل شيء، وباحث عن مخرج. وفي خضم هذا الواقع، اكتظت الشوارع بالمظاهرات المؤيدة في مواجهة المعارضة، بينما تتعالى الهتافات على وقع تهديد أميركي بضربة عسكرية وشيكة. لم يغب هذا الواقع عن أعين السينمائيين، الذين سارعوا منذ وقت مبكر إلى رصد هذه الحالة.

أصوات متعارضة في ظل الظروف القاسية

السينما الإيرانية لم تكن مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت منبراً للتعبير عن القلق الوجودي الذي يعيشه الإيرانيون. قدمت السينما الإيرانية أفلامًا تعد مرآة لحاضر ومستقبل البلاد، من خلال رؤى متعددة لسينمائيين يتباين موقفهم مما يجري. فقد أنتجت بعض الأفلام من قلب النظام الرسمي، وأنتجت أخرى على هامشه، بينما واجهته أعمال أخرى بشكل مباشر.

لكن تلك الأعمال يجمعها أفق موضوعي مشترك، إذ تصور مجتمعًا أنهكته الأزمات المزمنة، وكفاحه المتواصل من أجل البقاء والصمود. لم تكن السينما الإيرانية مرآة تعكس الأحداث بعد وقوعها، بل كانت استشرافًا اجتماعيًا، يعبر عن التكاليف العاطفية والأخلاقية والنفسية لحصار بلا نهاية. والاحتفاء الدولي بالسينما الإيرانية يعكس هذا الدور الهام، ويفهم الظروف الصعبة التي تحيط بها، من حصار اقتصادي إلى تشدّد رقابي.

الغموض والرمزية: لغة السينما الإيرانية

أنتج هذا التوتر سينما تفضل الغموض، والرمزية، والنقد غير المباشر. تركز العديد من الأفلام على آثار الحصار والقمع على مستوى الحياة الأسرية، وعلاقات العمل، والضمير الشخصي. هذا التوجه لم يكن مجرد خيار فني، بل كان ضرورة حتمية للتغلب على القيود الرقابية، وتقديم رسائل قوية دون التعرض للمساءلة المباشرة.

ثلاثية سينمائية: نافذة على الواقع الإيراني

استطاع السينمائي الإيراني عبر ثلاثة أفلام بارزة أن يقدم مرآة دقيقة لواقع الإيرانيين: “انفصال” (A Separation) للمخرج أصغر فرهادي، وفيلم “رجل نزيه” (Lerd) عام 2017 للمخرج محمد رسولوف، وفيلم “التسلل” (Off Side) عام 2006 للمخرج جعفر بناهي. هذه الأفلام، على اختلاف أساليبها وموضوعاتها، تتفق في قدرتها على تشخيص دقيق للأزمة الإيرانية.

“انفصال”.. قدر المواجهة

يُصنف فيلم “انفصال” غالبًا كدراما عائلية، لكن أهميته تتجاوز ذلك بكثير. يمتنع الفيلم عن الخوض في السياسة بشكل مباشر، مما يجعله وثيقة اجتماعية تعكس اللحظة الإيرانية. يسلط الضوء على الجوانب المسكوت عنها، وكيف انعكس السلوك السياسي على المجتمع الإيراني، الذي يعاني من فصام حاد بين طبقاته وأجياله. الرغبة في الهجرة مقابل البقاء، والمسؤولية الشخصية مقابل المسؤولية الجماعية، كلها قضايا تطرحها الفيلم ببراعة.

“رجل نزيه”.. صورة قبيحة للعقوبات

فيلم “رجل نزيه” يتناول الآثار المدمرة للعقوبات الاقتصادية والعزلة بشكل مباشر. يروي قصة مربي أسماك تُدخله محاولته للعيش بنزاهة في صراع مع شبكة من المسؤولين ورجال الأعمال الفاسدين. العقوبات، في رؤية محمد رسولوف، ليست مجرد سياسة، بل عنف بطيء يعيد تشكيل القيم ورسم العلاقات الاجتماعية. الفيلم يحذر من الأثر الذي تتركه العقوبات على البشر، ممهدةً الطريق لحرب سهلة.

“التسلل”.. الطاعة كمسؤولية

يقدم جعفر بناهي في فيلمه “التسلل” قراءة سينمائية للقمع في الحياة اليومية. يركز الفيلم على قرار منع النساء من دخول ملاعب كرة القدم، ويكشف من خلاله عن المنطق الأعمق الذي يُطَبَّعُ به كل من السيطرة والخوف والطاعة. الملعب هنا يصبح استعارة للأمة نفسها، حيث النساء مسموعات ومرئيات، لكن يصعب الوصول إليهن. الفيلم يوضح كيف يعمل القمع بفعالية أكبر من خلال الامتثال الروتيني، ويجعل الطاعة مسؤولية.

مستقبل السينما الإيرانية: بين التحديات والآمال

السينما الإيرانية تواجه تحديات جمة، من القيود الرقابية إلى الصعوبات الاقتصادية. ومع ذلك، فإنها تظل قوة إبداعية هائلة، قادرة على تقديم رؤى عميقة حول الواقع الإيراني المعقد. من خلال الغموض والرمزية، والنقد غير المباشر، تستمر السينما الإيرانية في إلهام الجماهير في إيران وخارجها، وتقديم شهادة حية على صمود الروح الإنسانية في وجه الأزمات. السينما الإيرانية، كفن مقاوم، ستظل تلعب دوراً محورياً في فهم التحديات التي تواجه إيران، والتعبير عن آمال وتطلعات شعبها. إن مستقبل الإنتاج السينمائي الإيراني يعتمد على قدرته على التكيف مع الظروف المتغيرة، والحفاظ على هويته الفنية والاجتماعية.

شاركها.
اترك تعليقاً