في عالمنا المعاصر الذي يتسارع فيه التطور التكنولوجي وتتغير فيه مفاهيم الهوية والانتماء، يطرح الروائي السعودي محمد بن سالم البلوي في روايته الأخيرة “الأقنعة” سؤالاً وجودياً مقلقاً: ماذا لو تحول القناع، الذي لطالما استخدمناه للتخفي والتمويه، إلى الوجه الحقيقي الذي نرتديه أمام العالم؟ هذه الرواية ليست مجرد عمل أدبي، بل هي تأمل فلسفي عميق في مستقبل الإنسان وعلاقته بالتكنولوجيا والسلطة، وتستحق القراءة والتداول.

“الأقنعة” للبلوي: مدينة فاضلة أم كابوس ديستوبي؟

تدور أحداث الرواية في مدينة “نيفارا” المستقبلية، وهي مدينة تبدو للوهلة الأولى كمدينة فاضلة، حيث يسود النظام والكمال الظاهري. لكن سرعان ما نكتشف أن هذا النظام يخفي وراءه قمعاً شديداً وفقداناً للحرية الفردية. في “نيفارا”، يعتبر الوجه البشري “عورة” أو خطيئة تقنية، ويُجبر جميع السكان على ارتداء الأقنعة، التي ليست مجرد غطاء للوجه، بل هي “نظام تشغيل” متكامل يتحكم في سلوكهم وتصنيفاتهم الاجتماعية.

يصنف المجتمع في “نيفارا” وفقاً لألوان الأقنعة: الأزرق للنخبة الحاكمة، والأخضر للموظفين، والأحمر للمراقبين. هذا التقسيم الصارم يمنع أي شكل من أشكال التعبير عن المشاعر العفوية أو الارتجال، ويحول الحياة إلى سلسلة من الإجراءات المبرمجة مسبقاً. ينجح البلوي ببراعة في بناء عالم ديستوبي مرعب، حيث تحكم الخوارزميات الضمائر، وتستبدل السماء الحقيقية بشاشات زرقاء، وتحظر المرايا لأن رؤية الذات تعتبر بداية التمرد.

فلسفة القناع: من الخوف إلى النظام الشامل

لا يقتصر تأمل البلوي في القناع على كونه أداة قمع في مدينة “نيفارا” فحسب، بل يربط بينه وبين تاريخ طويل من الاختراع الإنساني. يرى الكاتب أن القناع لم يولد من الرغبة في التخفي، بل من الخوف، ثم نما بالدهاء، ليتحول في النهاية إلى نظام كامل لإدارة البشر.

هذا “التمهيد” الفلسفي الذي يقدمه البلوي يربط بين الإنسان القديم الذي رأى ظله على جدار الكهف، وإنسان المستقبل الذي يختبئ خلف “فلتر” رقمي. فالقناع، في هذا السياق، ليس مجرد أداة لإخفاء الهوية، بل هو “درع للروح” يحمي صاحبه من هجمات العالم الخارجي، ولكنه أيضاً سجن يحرمه من الصدق والأصالة.

الرقابة الرقمية وتشويّه الهوية

تتطرق الرواية ببراعة إلى قضايا معاصرة مثل الرقابة الرقمية وإدارة الهوية. ففي “نيفارا”، لا توجد خصوصية، وكل حركة وسلوك يخضع للمراقبة والتصنيف. الذاكرة تخضع للتنقيح، والحنين إلى الماضي يُجرّم، والسؤال عن الأصل يُعتبر خرقاً للنظام. هذه الصورة القاتمة تعكس مخاوفنا المتزايدة بشأن تأثير التكنولوجيا على حياتنا وهويتنا.

رحلة سيار: البحث عن الوجه الحقيقي

تنطلق الأحداث من خلال شخصية “سيار”، الموظف في “وزارة التاريخ الرقمي”، وهو شخص يمثل تلك الرعشة الإنسانية الباقية في مجتمع مؤتمت. تبدأ رحلة سيار حين يشك في البيانات التي يعيد صياغتها، ويجد نفسه أمام أدلة تشير إلى وجود عالم خلف الجدران، عالم يسكنه “العراة”، وهم أولئك الذين رفضوا ارتداء الأقنعة.

تساعد سيار في هذه الرحلة شخصية “نوريا”، التي تمثل صوت الطبيعة والحقيقة، والمهرج الأخرس الذي يقدم له المفاتيح لفك شفرات “العقل المركزي” الذي يدير المدينة. البلوي لا يختار بطله من صفوف الثوار أو المتمرّدين، بل من قلب النظام نفسه، مما يجعل تمرّده أكثر عمقاً وخطورة. فالسؤال الذي يطرحه سيار ليس “كيف نسقط النظام؟” بل “هل هذا وجهي الحقيقي؟”.

“الأقنعة” كمرآة ثقافية

يمكن قراءة “الأقنعة” ليس فقط كرواية خيال علمي، بل أيضاً كمرآة ثقافية تعكس واقعنا المعاصر. ففي عالمنا، نرتدي الأقنعة بشكل رمزي في كل منصة رقمية أو محفل اجتماعي، ونحاول تقديم صورة مثالية عن أنفسنا تخفي عيوبنا ونقائصنا. الرواية تدعونا إلى التساؤل عن مدى أصالتنا في هذا العالم، وعن الثمن الذي ندفعه مقابل الحفاظ على هذه الصورة المثالية.

تطرح الرواية مفارقة مؤلمة: بعد سنوات من ارتداء الأقنعة، يكتشف الأبطال أن بعضها “أظهر من مكنوناتهم أكثر مما خفت”، وأن خلع القناع يتطلب شجاعة تفوق شجاعة ارتدائه. هذا يعني أن التخلي عن الزيف والظهور بوجهنا الحقيقي قد يكون أكثر صعوبة من التظاهر والتمويه.

نحو استعادة الوجه الأول

في النهاية، لا تقدم “الأقنعة” حلولاً سهلة أو نهايات سعيدة. فالثورة الحقيقية، كما يقترح النص، لا يقودها بطل ملهم، بل ذاكرة جماعية بدأت تستعيد نفسها. سقوط الأقنعة ليس سوى الخطوة الأولى في طريق أطول وأكثر تعقيداً، وهو طريق استعادة الذات والبحث عن المعنى الحقيقي للحياة.

“الأقنعة” هي رواية تستحق القراءة والتأمل، فهي تثير أسئلة مهمة حول مستقبل الإنسان وعلاقته بالتكنولوجيا والسلطة، وتدعونا إلى التفكير في هويتنا وقيمنا في عالم يتغير بسرعة. إنها دعوة لاستعادة “الوجه الأول” والاستمتاع بـ”قهوة الصباح بلا جمهور وبلا أعذار”، كما يرد في خاتمة العمل.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version