أعلنت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) اختيار الفنان والمخرج الفلسطيني الراحل محمد بكري رمزا للثقافة العربية لعام 2026، وهو تكريم يستحقّه هذا الفنان الذي كرّس حياته لفنٍّ أصيلٍ يعبّر عن هوية وواقع الشعب الفلسطيني. هذا الاختيار، الذي أعلنت عنه وزارة الثقافة الفلسطينية، يأتي في إطار الدورة الـ12 للاحتفاء برموز الثقافة العربية الذين قدموا إسهامات بارزة في مجالات الفكر والفن والأدب.
محمد بكري: رمزٌ للثقافة العربية ومجسّدٌ للقضية الفلسطينية
يُعد محمد بكري (1953-2025) من أبرز الفنانين العرب الذين استلهموا من الواقع الفلسطيني اليومي مادةً للتفكير والتأمل في التحولات التي يشهدها المجتمع والثقافة والسياسة داخل فلسطين وخارجها. لم يكن عمله مجرد تعبير فني، بل كان صرخةً مدويةً في وجه الظلم، وشهادةً حيةً على معاناة شعبٍ يناضل من أجل حريته وكرامته. وقد لقي هذا القرار ترحيباً واسعاً في الأوساط الثقافية والفنية، بوصفه تكريماً لأحد أهم صناع الفن في العالم العربي، الذين جعلوا من العمل الفني وسيلة للتعبير عن مصير الإنسان ومختبراً بصرياً لإدانة جرائم الاحتلال الإسرائيلي.
الفن كضرورة وجودية
لم يكن الفن بالنسبة لـ محمد بكري مجرد اختيار جمالي أو حظوة رمزية، بل كان ضرورة وجودية، حاجة ملحة كالهواء والماء. فمن يتأمل مسيرته، وخاصةً بعد سنوات الملاحقات القضائية التي تعرض لها بسبب فيلمه “جنين جنين”، يدرك سبب إصراره على تحويل جسده إلى مختبر سينمائي للتعريف بالقضية الفلسطينية وحمل جرحها إلى أكبر المهرجانات العالمية. لقد أصبح اسمه من الأسماء التي تؤرق إسرائيل باستمرار، وذلك بفضل قوة فنه وصدق رسالته.
الكاميرا: قدرٌ أم اختيار؟
تبدو الكاميرا في سيرة محمد بكري قدرًا لا مجرد اختيار فني. فمعظم الأفلام التي شارك فيها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بفلسطين، وتتعامل مع أدواره بوصفها سرديات تعاند السلطة الإسرائيلية وتسعى إلى نقدها بأسلوب ساخر، من خلال أدوات التكثيف الجمالي والأداء العميق الذي طبع تجربته في المسرح والسينما معًا. فمنذ أن قرر الجيش الإسرائيلي جره إلى المحاكم على خلفية اتهامه بتشويه سمعة جنود الاحتلال في “جنين جنين” (2002)، اتضح موقفه من السينما: ليست ترفيهاً بل موقفًا أخلاقيًا تجاه العالم.
السينما كموقف أخلاقي وفن ملتزم
مثلت السينما في تجربة محمد بكري انتصارًا للفن الملتزم. فالسينما عنده ليست تسلية ولا منتجًا للاستهلاك، بل تقوم على قناعة سياسية وأخلاقية مفادها أن الفن إن لم يكن في خدمة قضية فلا جدوى منه. لذلك حرص على أن تكون علاقته بهذا الفن الشعبي، الذي وصفه الفيلسوف الأمريكي ستانلي كافيل بأنه “الأكثر ديمقراطية”، علاقة موقف قبل أن تكون علاقة مهنة.
أفلام بكري: بيانات صارخة بجماليات فنية
جاءت أفلام محمد بكري أقرب إلى “بيانات” صارخة، لكن دون أن تتحول إلى منشورات سياسية مباشرة تغلب الخطاب على الفن. وهذا ما يتجلى في أعمال مثل “حكاية الجواهر الثلاث” (1995) و”حيفا” (1996) و”واجب” (2017)، حيث يجد المشاهد أمامه أفلامًا مكتملة الشروط الجمالية، قادرة على التقاط الراهن الفلسطيني وتحويله إلى أحاسيس وصور ومشاهد راسخة في الذاكرة.
“جنين جنين”: شهادة حية لا يمكن محوها
رصد فيلم “جنين جنين” ما جرى في مخيم جنين للاجئين في أبريل/نيسان 2002، مقدماً وثيقة بصرية لواحد من أكثر فصول القمع الإسرائيلي قسوة. وعلى الرغم من محاولات إسرائيل منع عرض الفيلم في عدد من الفضاءات داخل الأراضي المحتلة، إلا أنه ظل حاضراً في وعي الناس بفضل انتشار المنصات الرقمية، ويتداولونه ويعيدون اكتشافه بوصفه شهادة حية لا يمكن محوها.
إرث محمد بكري: سينما المقاومة وتوارث الأجيال
يحمل تقليد محمد بكري لقب “رمز للثقافة العربية” دلالة رمزية مضاعفة، في وقت ما تزال إسرائيل تسعى إلى طمس أثره الفني وقتله رمزيًا. ومع ذلك، وبفضل انتشار المنصات الرقمية، ظل الفيلم حاضراً في وعي الناس، يتداولونه ويعيدون اكتشافه بوصفه شهادة حية لا يمكن محوها. لقد منحت السينما محمد بكري شرعية إضافية لمواجهة الاحتلال، فغدت “يده اليمنى” في إدانة فداحة ما يجري على الأرض.
لقد أسهم محمد بكري في ترسيخ حضور السينما الفلسطينية في المهرجانات العالمية، والمساهمة في الطفرة التي شهدها هذا الحضور في العقود الأخيرة. وبقيت “روح المقاومة” علامة بصرية ثابتة في السينما الفلسطينية، تحضر في الجسد والصورة والمشهد والحوار، وإن تعددت الأساليب والأجيال.
بهذا المعنى، يبدو تكريم محمد بكري رمزا للثقافة العربية لعام 2026 احتفاء بفنان جمع بين الحس الجمالي والموقف الأخلاقي، وجعل من السينما فضاء مفتوحًا لسرد الحكاية الفلسطينية في أكثر لحظاتها هشاشة ووضوحًا في آن. إنه تكريمٌ يستحقّه هذا الفنان الذي ترك بصمةً لا تُمحى في تاريخ الفن والثقافة العربية.















