منذ رسوم الكهوف العتيقة وحتى كنوز العهد العثماني، يمثل المتحف الوطني الليبي بحلته الجديدة نافذة تطل على تاريخ عريق، وفرصة لإعادة اكتشاف هوية وطنية تتجاوز الانقسامات التي تعاني منها ليبيا. بعد إغلاق دام قرابة 14 عامًا، أعيد افتتاح المتحف في العاصمة طرابلس في 15 ديسمبر 2025، ليقدم للجيل الجديد رحلة تعريفية بتراثهم الغني والمتنوع.

إعادة إحياء الذاكرة الليبية: افتتاح المتحف الوطني الليبي

يمثل إعادة افتتاح المتحف الوطني الليبي حدثًا ثقافيًا واجتماعيًا بارزًا في ليبيا. يمتد المتحف على مساحة 10 آلاف متر مربع، موزعة على أربعة طوابق، ويستقبل الزوار في السرايا الحمراء، القلعة التاريخية العريقة في قلب طرابلس. هذا الافتتاح ليس مجرد عرض للقطع الأثرية، بل هو رمز للأمل والاستقرار في بلد يمر بمرحلة انتقالية صعبة.

رحلة عبر العصور: ما الذي يضمه المتحف؟

يقدم المتحف رحلة شاملة عبر تاريخ ليبيا، بدءًا من رسوم الكهوف التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، مرورًا بالآثار اليونانية والرومانية، وصولًا إلى كنوز العهد العثماني. يضم المتحف قاعات مخصصة لشخصيات تاريخية بارزة مثل سيبتيموس سيفيروس، الإمبراطور الروماني الذي ولد في مدينة لبدة الكبرى الليبية الساحلية. بالإضافة إلى ذلك، يخصص المتحف مساحة لعرض القطع الأثرية التي تمت استعادتها من الخارج، بما في ذلك تلك التي أعيدت من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

تصميم المتحف: تجربة تفاعلية للزوار

لا يقتصر الأمر على عرض القطع الأثرية، بل يولي المتحف اهتمامًا كبيرًا بتجربة الزائر. توزيع القاعات والإضاءة الدقيقة والمعايير التصميمية الحديثة، بالإضافة إلى استخدام الشاشات والوسائل التفاعلية، كلها عناصر تساهم في جعل الزيارة ممتعة وغنية بالمعلومات. كما يراعي التصميم سهولة التنقل لذوي الاحتياجات الخاصة، مما يجعله في متناول الجميع. نرمين الميلادي، طالبة الهندسة المعمارية، عبرت عن إعجابها بالتصميم، قائلةً إنها شعرت وكأنها سافرت إلى زمن آخر بمجرد دخولها المتحف.

حماية التراث في ظل الأزمات

بعد الثورة الليبية عام 2011، واجهت مصلحة الآثار تحديات كبيرة في حماية التراث الوطني من أعمال النهب والتخريب. لذلك، قامت بنقل جميع القطع الأثرية وحفظها في أماكن آمنة. فتحية عبد الله أحمد، مديرة المتحف، أكدت أن مصلحة الآثار والعاملين فيها حرصوا على الحفاظ على سلامة هذه القطع والموروث التاريخي طوال فترة الاضطرابات. كانت المديرة الجديدة من بين القلائل الذين يعرفون موقع الغرف المسورة التي خُبئت فيها كنوز المتحف لأكثر من عقد، مما أتاح الحفاظ عليها في انتظار إعادة افتتاحه.

التعاون الدولي في ترميم المتحف

لم يكن ترميم المتحف الوطني الليبي جهدًا محليًا فحسب، بل كان هناك تعاون دولي واسع النطاق. استثمرت حكومة طرابلس ما يناهز 6 ملايين دولار في ترميم الموقع والمناطق المحيطة به، بالتعاون مع البعثة الفرنسية ومؤسسة ألف، وهي تحالف دولي لحماية التراث في مناطق النزاع. هذا التعاون يعكس الأهمية التي يوليها المجتمع الدولي للحفاظ على التراث الليبي.

رمز للأمل والاستقرار: أهمية المتحف في السياق الليبي الحالي

يعتبر إعادة افتتاح المتحف الوطني الليبي بمثابة نقطة تحول في طرابلس، حيث يمثل عودة الروح للمدينة. آية، مهندسة التصميم الداخلي، ترى أن المتحف هو رمز للتاريخ، وعودته مؤشر على الاستقرار. إنه خطوة مهمة لتذكير الليبيين جميعًا بأن يتصالحوا مع بعضهم البعض ومع ماضيهم العريق الذي يجهله الكثيرون منهم. فاطمة الفقي، المدرّسة، تؤكد أن هناك فرقًا شاسعًا بين المتحف القديم الذي زارته قبل 30 عامًا والمتحف الذي “أعيد اكتشافه اليوم”.

التراث الليبي: فرصة لتعزيز الهوية الوطنية

في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجهها ليبيا، يمثل التراث الليبي مصدرًا للفخر والوحدة الوطنية. المتحف الوطني الليبي يلعب دورًا حيويًا في تعزيز الهوية الوطنية من خلال تعريف الأجيال الجديدة بتاريخهم وثقافتهم. إنه مكان يلتقي فيه الليبيون من جميع الخلفيات للاحتفاء بتراثهم المشترك، وبناء مستقبل أفضل لأجيالهم القادمة. كما أن الآثار الليبية بشكل عام، تمثل جاذبية سياحية هامة يمكن أن تساهم في تنويع مصادر الدخل الوطني.

في الختام، يمثل المتحف الوطني الليبي أكثر من مجرد مكان لعرض القطع الأثرية؛ إنه رمز للأمل، والاستقرار، والهوية الوطنية. إنه دعوة لجميع الليبيين للتصالح مع ماضيهم، والعمل معًا لبناء مستقبل أفضل. ندعوكم لزيارة المتحف واستكشاف كنوز ليبيا التاريخية والثقافية بأنفسكم.

شاركها.
اترك تعليقاً