تُعد تركيا أرضًا غنية بالتاريخ والحضارات، ومن بين جواهرها الثقافية يبرز متحف زيوغما للفسيفساء في ولاية غازي عنتاب، كصرح فني يروي حكايات ألفي عام من الإبداع والجمال. هذا المتحف ليس مجرد وجهة سياحية، بل هو نافذة تطل على فن الفسيفساء الروماني واليوناني، ورمزًا للتراث الثقافي التركي الذي يجذب الزوار من جميع أنحاء العالم. يساهم المتحف بشكل كبير في تعزيز السياحة الثقافية في تركيا، ويقدم تجربة فريدة لعشاق الفن والتاريخ.

تاريخ زيوغما وأهميته الأثرية

تقع مدينة زيوغما التاريخية على طريق الحرير القديم، على ضفاف نهر الفرات في منطقة نزيب، على بعد حوالي 60 كيلومترًا من غازي عنتاب. يعود تاريخ هذه المدينة إلى آلاف السنين، حيث كانت نقطة عبور حيوية للقوافل التجارية والثقافية بين الشرق والغرب. اكتسبت زيوغما أهمية خاصة في العصر الروماني، وأصبحت مركزًا مزدهرًا للفنون والعمارة.

خلال عمليات التنقيب الأثري التي بدأت في ستينيات القرن الماضي، تم اكتشاف العديد من القطع الأثرية الرائعة، بما في ذلك الفسيفساء التي تشتهر بها المدينة. ولكن، كان بناء سد بيرةجيك في التسعينيات يهدد بإغراق الموقع الأثري بالكامل. لحسن الحظ، تم إنقاذ العديد من الفسيفساء والآثار الأخرى قبل إتمام السد، وتم نقلها إلى متحف زيوغما الذي افتتح في عام 2011.

فسيفساء “الفتاة الغجرية”: تحفة فنية عالمية

تعتبر فسيفساء “الفتاة الغجرية” (Çingene Kızı) أشهر معروضات متحف زيوغما للفسيفساء، وهي تحفة فنية حقيقية تعود إلى القرن الثاني الميلادي. تتميز هذه الفسيفساء بجمالها الأخاذ وتفاصيلها الدقيقة، حيث تصور فتاة ذات نظرة آسرة، ترتدي ملابس ملونة وتزينها المجوهرات.

تُعد “الفتاة الغجرية” رمزًا للجمال والأناقة في العصر الروماني، وقد أثارت إعجاب الكثيرين من الفنانين والمؤرخين والزوار. تُقدر قيمتها التجارية بمليارات الدولارات، وهي من أهم مقتنيات المتحف التي تساهم في جذب السياح والباحثين من جميع أنحاء العالم. لا تقتصر أهمية الفسيفساء على قيمتها الفنية، بل تمثل أيضًا شهادة حية على الحياة الاجتماعية والثقافية في زيوغما القديمة.

معروضات أخرى في متحف زيوغما

بالإضافة إلى فسيفساء “الفتاة الغجرية”، يضم متحف زيوغما للفسيفساء مجموعة متنوعة من الآثار والتحف الفنية التي تعكس تاريخ وثقافة المنطقة. من بين أبرز هذه المعروضات:

تمثال الإله مارس

تمثال “الإله مارس” (المريخ) الروماني، الذي يعود إلى القرن الأول الميلادي، هو قطعة أثرية مهمة أخرى في المتحف. يعتبر هذا التمثال مثالًا رائعًا على فن النحت الروماني، ويجسد قوة وشجاعة الإله مارس، إله الحرب في الأساطير الرومانية.

مناهل المياه والآثار المعمارية

يحتوي المتحف أيضًا على “مناهل المياه” التي تعود إلى العهد الروماني، بالإضافة إلى 20 عمودًا أثريًا وتماثيل من الحجر الجيري. تعكس هذه الآثار المعمارية روعة وتطور البنية التحتية في زيوغما القديمة.

الفسيفساء الأخرى والقبور

تتضمن المعروضات أيضًا لوحات فسيفسائية أخرى عثر عليها في منازل وقصور على ضفاف نهر الفرات، بالإضافة إلى قبور أثرية تعود إلى فترات تاريخية مختلفة. تُظهر هذه الفسيفساء مشاهد من الأساطير اليونانية والرومانية، وحياة يومية، وتصويرات نباتية وحيوانية.

إنجازات المتحف وتأثيره على السياحة

حقق متحف زيوغما للفسيفساء العديد من الإنجازات على المستوى المحلي والدولي. فقد حصد “الجائزة الرئاسية الكبرى للثقافة والفنون” في عام 2025، وسجل رقمًا قياسيًا في عدد الزوار. ففي عام 2024، بلغ عدد الزوار 466 ألفًا، بينما وصل إلى 616 ألفًا في عام 2025. ويعتبر المتحف حاليًا الوجهة السياحية الأكثر زيارة في تركيا.

يساهم المتحف بشكل كبير في تنشيط السياحة في غازي عنتاب، حيث يعتبر محطة أساسية في جميع الجولات السياحية الثقافية في المدينة. كما يوفر فرص عمل للعديد من السكان المحليين، ويعزز الاقتصاد المحلي. بالإضافة إلى ذلك، يلعب المتحف دورًا هامًا في الحفاظ على التراث الثقافي التركي وتعزيزه.

تجارب الزوار وانطباعاتهم

أعرب العديد من الزوار عن إعجابهم الشديد بمقتنيات المتحف، وخاصة فسيفساء “الفتاة الغجرية”. قالت ديلارا أيدن، القادمة من إسطنبول: “لقد أذهلني جمال متحف زيوغما للفسيفساء، وخاصة الفسيفساء الشهيرة. إنها تجربة لا تُنسى.” وأضافت سلين أويماز: “نظرات الفتاة الغجرية أثرت فينا كثيرًا. إنها حقًا تحفة فنية.” كما عبرت سيلا سويلو أولوسوي عن سعادتها بزيارة المتحف، قائلة: “لقد شاهدت لوحة الفتاة الغجرية كثيرًا على الإنترنت، ولكن عندما رأيتها هنا أدركت أنها أكثر سحرًا وتأثيرًا بكثير.”

مستقبل متحف زيوغما

يواصل متحف زيوغما للفسيفساء جهوده في الحفاظ على الآثار وتعزيزها، وتقديم تجربة سياحية وثقافية متميزة للزوار. تخطط إدارة المتحف لتوسيع نطاق المعروضات وتنظيم المزيد من الفعاليات والأنشطة الثقافية، بهدف جذب المزيد من الزوار وتعزيز مكانة المتحف كوجهة سياحية عالمية. كما تسعى الإدارة إلى التعاون مع المؤسسات الأكاديمية والبحثية لإجراء المزيد من الدراسات والبحوث حول تاريخ وثقافة زيوغما.

في الختام، يمثل متحف زيوغما للفسيفساء كنزًا ثقافيًا وتاريخيًا يجب على كل من يزور تركيا أن يحرص على استكشافه. فهو ليس مجرد متحف، بل هو رحلة عبر الزمن، واستكشاف لجمال الفن والابتكار الإنساني. ندعوكم لزيارة المتحف والاستمتاع بتجربة فريدة من نوعها، والانغماس في سحر التراث الأثري التركي.

شاركها.
اترك تعليقاً