في قاعة “ذا باثى” الفخمة في أمستردام، وبين فعاليات مهرجان إدفا للأفلام الوثائقية المتواصلة، وجدت نفسي، ولا أنكر ذلك، متلبساً بغفوة قصيرة أثناء مشاهدة فيلم “المنكوبون” (The Shipwrecked). ربما كان طول الفيلم هو السبب، أو ربما الإرهاق المتراكم من ليالٍ لم أشهد فيها سوى ساعات قليلة من النوم، محاولاً استيعاب أكبر قدر ممكن من هذا الكمّ السينمائي الرائع. لكن حتى تلك الغفوة لم تفسد عليّ متعة الفيلم، بل على العكس، أيقظت فيّ ذكريات سنوات طويلة من رحلات الكشافة، وأعجبتني وتيرة الحياة الهادئة التي يعرضها الفيلم، تلك التي تتيح لنا فرصة للتأمل والتفكير. هذا الفيلم تحديداً، أثار فيّ تساؤلات حول تمثيل المجتمعات المحلية في السينما الوثائقية، خاصةً عندما يكون المخرج من أصول مهاجرة.

“المنكوبون”: رحلة دييغو غوتيريز إلى جذور الهوية المكسيكية

يعود المخرج المكسيكي الهولندي، دييغو غوتيريز، إلى وطنه الأم بعد غياب دام ثلاثين عاماً في فيلمه “المنكوبون”. ثلاثون عاماً قضاها في هولندا، في مدينة أمستردام المنظمة، بعيداً عن آلام المكسيك وأحزانها. لكنه لم يعد كسائح، بل كباحث عن إجابات لأسئلة ظلت تؤرقه طوال سنوات المنفى الاختياري. السؤال الأساسي الذي يطرحه الفيلم هو: هل الحياة الأسهل في بلد آمن ومستقر هي حقاً حياة أفضل؟ وهل الهروب من العنف والفقر يعني الهروب من الذات؟

هذه الأسئلة الوجودية تقود غوتيريز في رحلة سينمائية فلسفية عبر صحارى المكسيك وجبالها وقراها، حيث يلتقي بأناس عاديين يعيشون على هامش التاريخ الرسمي، لكنهم يحملون حكمة عميقة عن معنى الحياة. يقدم المخرج هذه الحكمة على “الشاشة العريضة”، ليشاركنا تأملاته حول الوحدة والحزن، وكيفية التصالح مع الطبيعة ومع أنفسنا.

استعارة القارب الغارق: أزمة عالمية أم مكسيكية فقط؟

يفتتح الفيلم باقتباس مؤثر للفيلسوف الإسباني خوسيه أورتيغا إي غاسيت: “أن تحيا يعني أن تجد نفسك تائهاً، وتقبُّل ذلك هو جزء من طريق التعافي”. هذه العبارة تلخص جوهر الفيلم، الذي يصور رحلة في التيه، رحلة في البحث عن معنى وسط الفوضى، ورحلة في محاولة فهم ما يعنيه أن تكون إنساناً في عالم يوشك على الغرق.

غوتيريز يربط بوضوح بين الأزمة المكسيكية والأزمة العالمية، مؤكداً أن “القارب الغارق هو الكوكب، وأن المكسيك مجرد استعارة للعالم أجمع”. بهذا يوسع الفيلم نطاقه ليصبح حديثاً عن الإنسانية جمعاء التي تواجه خطر الغرق: بيئياً، اجتماعياً، وروحياً. عنوان الفيلم “المنكوبون” ليس مجرد إشارة إلى ضحايا كارثة ما، بل هو اعتراف بأننا جميعاً ركاب على سفينة حضارة متداعية. المنكوبون يقدم رؤية عميقة لأزمة الوجود البشري في عصرنا الحالي.

أصوات من هامش الهامش: وجوه سينمائية جديدة

ما يميز “المنكوبون” عن الأفلام الوثائقية التقليدية هو تركيزه على الناس العاديين، أولئك الذين نادراً ما تسمع أصواتهم في السرديات الرسمية. هؤلاء هم أصوات الجنوب العالمي الحقيقية، والذين يمثلهم مهرجان إدفا بشكل كبير. نلتقي بفلاح بسيط يعمل الأرض، وعالم شاب يكافح لحماية البيئة، وفنانة ترمم تماثيل منسية في كنائس قديمة.

يعرض الفيلم حياة فلورينسيو، الفلاح الذي عاد ليعمل في مزرعة أبيه، والذي يمتلك حكمة الأرض وفلسفة الحياة البسيطة. يقول بسخرية هادئة إن من ولد وفي فمه ملعقة من فضة غالباً ما يكون عديم الجدوى، وهو تعبير يكشف عن انقسام طبقي عميق في المكسيك، يمكن تعميمه على مستوى العالم.

ثم نلتقي بفريدا، الفنانة المرممة، التي عانت من فقدان الذاكرة، لكنها تصف تلك التجربة بأنها منحتها نقاءً عقلياً أشبه بـ “إزالة الضجيج”. تؤمن بقوة اللحظة الراهنة، وضرورة العيش “هنا والآن”.

أخيراً، نرافق فير ومايرا، الزوجين الشابين اللذين يكرسان حياتهما لدراسة الخفافيش وحماية البيئة. يعكس عملهما التزام جيل جديد بإنقاذ ما يمكن إنقاذه من كوكب يحتضر.

المنكوبون وإعادة تعريف السينما الوثائقية: نحو إنهاء الاستعمار

يأتي عرض فيلم المنكوبون في مهرجان إدفا في سياق حرص المهرجان على تسليط الضوء على ثيمة “إنهاء الاستعمار” وإعطاء صوت للجنوب العالمي. الفيلم يجسد هذه الثيمة بعمق، ليس فقط في محتواه، بل في شكله أيضاً. إنه يرفض السرد الاستعماري عن المكسيك، والذي غالباً ما يصورها كبلد “فاشل” أو “عنيف”، ويكشف عن طبقات أخرى من الجمال الطبيعي والحكمة الشعبية والمقاومة اليومية والأمل.

الأهم من ذلك، يمنح الفيلم الكلمة لأناس عاديين، لا يظهرون عادةً في الإعلام أو السينما. الفلاح، والفنانة، والعالمان الشابان، هم أشخاص حقيقيون يروون قصصهم بكلماتهم الخاصة، وليسوا مجرد ممثلين أو شخصيات خيالية. هذا في حد ذاته يعتبر محاولة لإنهاء الاستعمار السينمائي، وإعادة السلطة السردية إلى أصحاب القصص.

المنكوبون يتحدى الثنائية الاستعمارية بين “الشمال المتقدم” و”الجنوب المتخلف”، ويطرح سؤالاً وجودياً: هل الحياة في هولندا الآمنة حقاً أفضل من الحياة في المكسيك المضطربة؟ الإجابة ليست بسيطة، فالفيلم يوضح أن لكل مكان منطقه الخاص، ولكل حياة ثمنها. الفيلم لا يبحث عن إجابات جاهزة، بل يدعونا للتفكير والتأمل في معنى الحياة وفي مستقبلنا المشترك. هذا الفيلم هو بالتأكيد إضافة قيمة لمهرجان إدفا، ويثبت مرة أخرى أن السينما الوثائقية قادرة على أن تكون أداة قوية للتغيير والوعي.

شاركها.
اترك تعليقاً