عندما تدلف إلى باب شرقي في دمشق، لا تمرّ عبر بوابة حجرية عتيقة فحسب، بل تخطو في حنايا الزمن نفسه. ففي هذا الحي العريق، تتداخل أصداء التاريخ مع نبض الحاضر، وتفوح رائحة الياسمين والبهارات، لتأسر حواسك وتحملك إلى عوالم بعيدة. باب شرقي ليس مجرد مدخل إلى مدينة، بل هو رمز للهوية، والتسامح، والذاكرة الجماعية.

لمحة تعريفية عن باب شرقي

باب شرقي هو أحد أشهر أبواب دمشق السبعة التاريخية، بل هو الباب الوحيد الذي حافظ على شكله المعماري الروماني الأصيل إلى حد كبير. يقع في الجهة الشرقية من سور المدينة القديمة، ويعتبر بوابة رئيسية تؤدي إلى حي يحمل الاسم نفسه: حي باب شرقي. هذا الحي من أقدم أحياء دمشق، ويجسد الروح التاريخية والمعمارية التي شهدت مزيجًا فريدًا من الحضارات. إنه نقطة التقاء للثقافات، وشاهد على تحولات الزمن.

الجذور التاريخية لـ باب شرقي

لكل حجر في دمشق قصة، ولكن حجارة باب شرقي تحمل في طياتها عبق الأساطير، وتتحدث عن حقب غابرة. لم يُبنَ هذا الباب للدفاع عن المدينة فحسب، بل ليكون معبرًا للحضارات، وممرًا للأفكار، وشاهدًا على مسيرة التاريخ.

باب الشمس في العهد الروماني

يعود تاريخ بناء باب شرقي إلى العهد الروماني، تحديدًا إلى القرن الأول أو الثاني الميلادي. كان يُعرف آنذاك بـ “باب الشمس”، نسبة إلى كوكب الشمس ضمن منظومة الأبواب السبعة التي ارتبط كل منها بكوكب من الكواكب السبعة المعروفة في علم الفلك القديم. كان الباب يتكون من ثلاث فتحات: بوابة رئيسية واسعة، وفتحتين جانبيتين أصغر حجمًا للمشاة والعربات الخفيفة. تزين واجهة الباب أعمدة كورنثية الطراز، تعكس عمق الفن المعماري الروماني.

دور باب شرقي في التاريخ الإسلامي

مع الفتح الإسلامي لدمشق عام 635م، دخل المسلمون المدينة من باب شرقي، بقيادة خالد بن الوليد بعد مفاوضات مع الروم. ومنذ ذلك الحين، احتفظ الباب باسمه العربي، ليصبح شاهدًا على انتقال المدينة من الحضارة الرومانية إلى الفتح الإسلامي، دون أن تمحى ملامح الماضي، بل أضيفت إلى فسيفساء المدينة الغنية.

التسمية والمكانة الرمزية لـ باب شرقي

على الرغم من أن اسم “باب شرقي” يبدو بسيطًا، إلا أنه يحمل دلالات ثقافية وتاريخية عميقة. الاسم يعكس موقعه الجغرافي في الجهة الشرقية من أسوار دمشق، ولكنه تجاوز هذه الدلالة الجغرافية ليصبح رمزًا حضاريًا متعدد الأبعاد.

يحافظ الاسم على صدى الاسم الروماني القديم “باب الشمس”، الذي يرمز إلى الشرق حيث تشرق الشمس وتبدأ الحياة. ومع مرور الوقت، تعرب الاسم إلى “باب شرقي”، لكنه ظل يحمل جوهره: بوابة مشرقة تفتح المدينة على البادية، وعلى المدى المفتوح، كأنها لا تؤدي إلى طريق فحسب، بل إلى أفق رمزي يطل على النور والمجهول.

وقد ساهم الموقع الفريد للباب في ترسيخ هذه المعاني، حيث يواجه البادية السورية ويستقبل أول خيوط الشمس. هذا جعله في المخيال الدمشقي “بابًا للضياء”، و”مدخلًا للسكينة”. الشرق في الوجدان الإنساني ليس مجرد جهة، بل هو مصدر للانبعاث، ومقام للبدء، ومسرح للانتظار.

حي باب شرقي: فسيفساء دمشقية حية

لا يمكن فهم باب شرقي على حقيقته إلا من خلال النظر إلى الحي الذي يحمل اسمه. حي باب شرقي ليس مجرد حزام عمراني يحيط بالبوابة، بل هو امتداد زمني ومعماري واجتماعي يشهد على تنوع دمشق وعبقها المتراكم. يمتد الحي شرقًا ليعانق أحياء عتيقة أخرى مثل القصاع والعمارة والأمين، مشكلًا بذلك عقدة جغرافية وروحية في قلب المدينة القديمة.

الشارع المستقيم.. ومسار التاريخ

يخترق الحي الشارع المستقيم، أحد أقدم الشوارع الرومانية التي لا تزال قائمة في العالم. ورد ذكر هذا الشارع في سفر أعمال الرسل، حيث طلب من بولس الرسول الذهاب إليه ليُشفى من عماه، في إشارة تحمل رمزية التحول من الظلام إلى النور.

يعد هذا الشارع المحوري أطول شارع مستقيم في الشرق الروماني القديم، ويمتد من باب شرقي إلى باب الجابية. إنه العمود الفقري للحركة والتجارة والمعتقد في المدينة، ولا يزال يحتفظ ببعض ملامحه الحجرية القديمة، كأنه يصر على أن يكون شاهدًا على الحضارة.

كنيسة حنانيا.. جذر الإيمان تحت الأرض

في إحدى زوايا الحي تقع كنيسة القديس حنانيا، وهي من أقدم الكنائس تحت الأرض في العالم المسيحي. تنسب الكنيسة إلى حنانيا الدمشقي الذي استقبل شاول الطرسوسي (بولس الرسول لاحقًا) عندما جاء مضطهدًا، فخرج مؤمنًا. وجود هذه الكنيسة يضفي على الحي طابعًا رسوليًا عتيقًا، ويجعله شاهدًا على ولادات روحية حاسمة في تاريخ الأديان.

فسيفساء الكنائس والطوائف.. دمشق كما هي

يتميز حي باب شرقي باحتضانه لتنوع طائفي مذهل، حيث تسكنه طوائف شرقية عريقة مثل الروم الأرثوذكس، والسريان الكاثوليك، والكلدان، والأرمن، والموارنة. ولكل منهم كنيسته وتقاليده، وصوته في نسيج المدينة. هذا التعدد لم يكن يومًا سببًا للخلاف، بل كان سرًا من أسرار غنى المدينة الثقافي والروحي.

صمود حي باب شرقي تحت وطأة المعاناة

على الرغم من قيمته التاريخية والثقافية، يواجه حي باب شرقي اليوم تحديات كبيرة. فقد أثرت سنوات الحرب والاضطرابات على النسيج الاجتماعي والاقتصادي للحي، وتسببت في هجرة العديد من السكان، وتدهور البنية التحتية.

ومع ذلك، لا يزال باب شرقي صامدًا، بفضل عناد سكانه، وحبهم لمدينتهم، وإيمانهم بمستقبل أفضل. إن صموده ليس مجرد شهادة على متانة جدرانه، بل على كرامة الهوية، وقوة الذاكرة الجماعية.

من الصون إلى البعث: مستقبل باب شرقي

إن حماية حي باب شرقي لا تقتصر على ترميم المباني القديمة، بل هي عملية إنقاذ ثقافي وإنساني شاملة. يجب إعادة الحياة إلى الحي، من خلال دعم الحرف التقليدية، وتشجيع السياحة المستدامة، وإطلاق مبادرات ثقافية واجتماعية تعزز الهوية المحلية.

باب شرقي ليس مجرد جزء من الماضي، بل هو مفتاح لمستقبل دمشق. إنه رمز للأمل، والتسامح، والتعايش، وقصة يجب أن تُروى للأجيال القادمة. فالحفاظ على هذا الحي العريق هو واجب علينا جميعًا، لكي تبقى دمشق مدينة شامخة، نابضة بالحياة، ومفتوحة على العالم.

شاركها.
اترك تعليقاً