فيلم “بعد الصيد” (After the Hunt) للمخرج لوكا جوادنينو، الذي عُرض لأول مرة في مهرجان فينسيا السينمائي الدولي، يمثل إضافة قوية إلى السينما المعاصرة التي تتناول قضايا اجتماعية معقدة. الفيلم، الذي أثار جدلاً واسعاً، لا يكتفي بعرض قصة تحرش جنسي في حرم جامعة “ييل” المرموقة، بل يتعمق في استكشاف ديناميكيات السلطة، وتأثير حركة “أنا أيضاً” (Me Too)، والطبقات الاجتماعية المختلفة، ليقدم تحليلاً فلسفياً مشوقاً حول العدالة والمساءلة. هذا المقال سيتناول تفاصيل الفيلم، وتحليله النقدي، وأهم القضايا التي يطرحها، مع التركيز على فيلم بعد الصيد كعمل سينمائي مهم يستحق المشاهدة والنقاش.

قصة “بعد الصيد”: اتهام يزلزل أركان الجامعة

تدور أحداث فيلم بعد الصيد حول ألما (جوليا روبرتس)، أستاذة فلسفة مرموقة، تجد نفسها في قلب عاصفة بعد اتهام طالبتها ماجي (آيو إيديبيري) لأحد زملائها، هانك (أندرو غارفيلد)، بالتحرش الجنسي. الاتهام، الذي يبدو بسيطاً في ظاهره، سرعان ما يتجاوز الإطار الشخصي ليتحول إلى أزمة مؤسسية تهدد سمعة الجامعة بأكملها.

الفيلم لا يركز على إثبات أو نفي التحرش، بل على تداعياته المعقدة على جميع الأطراف المعنية. نرى ألما وهي تتصارع مع ولاءها لصديقها هانك، ومخاوفها بشأن مستقبلها المهني، وتعاطفها مع ماجي. هذا الصراع الداخلي يجعلها شخصية معقدة ومتعددة الأبعاد، بعيدة كل البعد عن النمطية.

شخصيات الفيلم: مرآة تعكس صراعات المجتمع

  • ألما: تمثل جيلاً من النساء اضطررن إلى التنازل عن الكثير في سبيل التقدم في حياتهن المهنية، جيلاً لم يكن يملك الأدوات أو الدعم اللازم لمواجهة التحرش.
  • ماجي: تجسد الجيل الجديد الذي يطالب بالعدالة والمساواة، والذي لا يخشى كشف الحقائق.
  • هانك: يمثل السلطة الأكاديمية التقليدية، والتي غالباً ما تكون متورطة في إساءة استخدام النفوذ.

هذه الشخصيات ليست مجرد أفراد، بل هي رموز لقوى اجتماعية وثقافية متصارعة. الفيلم ينجح في تقديم هذه الشخصيات بطريقة واقعية ومقنعة، مما يجعلنا نتعاطف معها حتى لو لم نتفق مع أفعالها.

حركة “أنا أيضاً” بين الواقع والمثالية: نقد الفيلم للمؤسسات

يلقي فيلم بعد الصيد نظرة ناقدة على الطريقة التي تعاملت بها المؤسسات مع حركة “أنا أيضاً”. في عالم الفيلم، تبدو الإجراءات المتخذة للتعامل مع قضايا التحرش سطحية وشكلية، تهدف إلى حماية سمعة المؤسسة أكثر من حماية الضحايا. الاجتماعات واللجان والبيانات الرسمية لا تُدار بدافع البحث عن العدالة، بل بدافع تقليل الخسائر وتجنب الفضيحة.

هذا النقد لا يقتصر على الجامعة في الفيلم، بل يمتد ليشمل العديد من المؤسسات الأخرى التي تبدو وكأنها تتبنى خطاب “أنا أيضاً” من أجل المظهر الخارجي فقط، دون إجراء تغييرات حقيقية على أرض الواقع. الفيلم يطرح سؤالاً مهماً: هل الاعتراف النظري بحقوق النساء كافٍ لضمان أمانهن الحقيقي؟

التقاطعية: قراءة أعمق للقضايا المطروحة

يتناول الفيلم أيضاً مفهوم التقاطعية (Intersectionality)، وهو مفهوم يركز على التداخل بين مختلف أشكال التمييز، مثل التمييز على أساس الجنس والعرق والطبقة. شخصية ماجي، التي تؤديها آيو إيديبيري، تمثل هذا التداخل بشكل واضح. فهي ليست مجرد امرأة تواجه التحرش، بل هي أيضاً امرأة سمراء تواجه تحديات إضافية بسبب لون بشرتها.

هذا البعد يخرج بالفيلم من كونه مجرد دراما جامعية محصورة في مكان واحد، إلى نقطة تلاقٍ بين الخطاب الاجتماعي العام وما يعيشه الأفراد الذين يحملون هويات متعددة وحساسة في حياتهم اليومية. الفيلم يذكرنا بأن قضايا العدالة والمساواة لا يمكن فهمها بشكل كامل إلا من خلال النظر إليها من منظور التقاطعية. كما أن حادثة تجاهل سؤال المراسلة الإيطالية لآيو إيديبيري في مهرجان فينسيا تؤكد على أهمية هذا البعد.

“بعد الصيد”: فيلم يثير التفكير والنقاش

في الختام، فيلم بعد الصيد ليس مجرد فيلم ترفيهي، بل هو عمل سينمائي فني يثير التفكير والنقاش حول قضايا اجتماعية معقدة. الفيلم لا يقدم إجابات سهلة أو مواقف قاطعة، بل يفضل طرح الأسئلة وترك المشاهد يتوصل إلى استنتاجاته الخاصة. هذا الخيار الفني قد لا يروق للجميع، لكنه بالتأكيد يجعل الفيلم أكثر عمقاً وتأثيراً. الفيلم يستحق المشاهدة والتحليل، ويساهم في إثراء الحوار حول العدالة والمساءلة وحقوق الإنسان. إذا كنت مهتماً بالسينما التي تتحدى الأعراف وتثير الجدل، فإن “بعد الصيد” هو الفيلم المناسب لك.

شاركها.
اترك تعليقاً