كان اليوم الأول في معرض القاهرة الدولي للكتاب هو يوم نجيب محفوظ بامتياز، حيث عقد في اليوم الأول ثلاثين جلسة وندوة ومؤتمرًا، كانت أغلبها تقريبًا تشتبك وتتعانق في نقطة ما معه في رواية أو واقعة أو لقاء أو صورة نقدية ما. على الرغم من أن المعرض في يومه الأول خصص معرضًا تشكيليًا خاصًا بروايات نجيب محفوظ، وحدد ثلاث فعاليات عن نجيب محفوظ، وهي: “جمالية المكان: المدينة في عالم نجيب محفوظ”، واللقاء الفكري بعنوان “النجيب محفوظ”، وندوة كاتب وكتاب لمناقشة كتاب “أيام الألم: كيف قتلنا نجيب محفوظ؟”، مؤتمر «إدوار الخراط: ريادة الحداثة – الموقف والتأثير» استدعى بشكل كبير نجيب محفوظ، وعندما تابعنا ندوة “مئة عام على كتاب (في الشعر الجاهلي)” للدكتور طه حسين، وجدنا نجيب محفوظ حاضرًا وبقوة خلال المناقشات وردود أفعال الجمهور. هذا الحضور اللافت يؤكد المكانة الخالدة لـ نجيب محفوظ في الوجدان الثقافي المصري والعربي.
يوم نجيب محفوظ في معرض القاهرة الدولي للكتاب: احتفاء بالعبقرية
لم يكن هذا اليوم مجرد عرض للكتب والإصدارات الجديدة، بل كان احتفالًا حقيقيًا بمسيرة أديب نوبل، نجيب محفوظ، واستكشافًا لأبعاد أعماله المتنوعة. الفعاليات المتعددة لم تقتصر على استعراض إنجازاته، بل تعمقت في تحليل تأثيره على الأدب والثقافة، وحتى على الذاكرة الجماعية للمصريين. التركيز على شخصيته كـ “شخصية المعرض” يعكس تقديرًا عميقًا لدوره الريادي في الرواية العربية.
“كيف قتلنا نجيب محفوظ؟” : مكاشفة ثقافية مؤلمة
أحد أبرز فعاليات اليوم كان مناقشة كتاب “أيام الألم: كيف قتلنا نجيب محفوظ؟” الذي أثار جدلاً واسعًا. لم تكن الندوة مجرد استعراض لإصدار جديد، بل كانت مكاشفة إنسانية وتاريخية موجعة.
مؤلف الكتاب، محمد الباز، أكد أن العنوان مقصود، وأننا بالفعل “قتلنا” نجيب محفوظ بالإهمال والتقصير. تطرق الباز إلى واقعة محاولة الاغتيال التي تعرض لها الأديب الكبير، ورحلة علاجه التي لم تحظ بالرعاية الكافية، وصولًا إلى رحيله. وأضاف أن الإهانة الأكبر كانت عدم إقامة تشييع رسمي يليق بمكانته، بينما العالم كله كان يقدره.
الدكتور يسري عبد الله، أستاذ الأدب والنقد، وصف الكتاب بأنه يقف عند “نقاط محورية مهمة جدًا”، مشيرًا إلى ما أسماه “سردية الألم” المتواترة في صفحاته. وأوضح أن الكتاب يركز على تيمة محاولة الاغتيال وما تلاها من محاولات أخرى، وكيف أثرت هذه الأحداث على حياة محفوظ.
جغرافيا القاهرة في روايات نجيب محفوظ
ركزت ندوة “جماليات المكان: المدينة في عالم نجيب محفوظ” على العلاقة الوثيقة بين أعمال الأديب الكبير والقاهرة. الدكتور أيمن فؤاد سيد، رئيس الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، أوضح أن نجيب محفوظ ينتمي إلى حي الجمالية والحسين، الذي يمثل نواة القاهرة الفاطمية.
وأضاف أن محفوظ لم يكتفِ بوصف المكان، بل قام بتحويله إلى شخصية حية في رواياته. من خلال أعمال مثل “الثلاثية” و”زقاق المدق” و”قصر الشوق”، قدم محفوظ للقارئ معلومات دقيقة عن القاهرة التاريخية دون أي تزييف. كما أشار إلى تأثره بالمؤرخ تقي الدين المقريزي، وكيف أثر هو بدوره في كتاب آخرين مثل جمال الغيطاني. هذا الاهتمام بالتفاصيل التاريخية والجغرافية يمثل سمة مميزة لأسلوب نجيب محفوظ الروائي.
الإسكندرية في ذاكرة نجيب محفوظ
لم تغفل فعاليات اليوم علاقة نجيب محفوظ بمدينة الإسكندرية. الشاعر والروائي أحمد فضل شبلول أوضح أن هذه العلاقة بدأت في سن التاسعة، عندما كان يرافق والدته إلى المصيف. واستمر هذا الارتباط السنوي حتى بعد التحاقه بالوظيفة، حيث كان يخصص جزءًا من مصروفه لزيارة الإسكندرية.
هذه التجارب أثرت بشكل كبير في شخصيات رواياته مثل “ميرامار” و”الطريق” و”السمان والخريف”. شبلول أكد أن محفوظ استعان بالإسكندرية في رواياته كما هي، لكن معظم شخصياته كانت من خارج الإسكندرية، مما جعلها بمثابة ملاذ للغرباء.
إدوار الخراط ونجيب محفوظ: نظرة نقدية
في مؤتمر إدوار الخراط، ظهرت ملامح العلاقة المعقدة بينه وبين نجيب محفوظ. الدكتور صبري حافظ، أستاذ الأدب المقارن، أوضح أن الخراط كان ناقدًا انتقائيًا، يكتب فقط عن الأعمال التي تتقاطع مع مشروعه الأدبي. وأشار إلى أن الخراط لم يتردد في توجيه النقد لنجيب محفوظ، معتبرًا بعض أعماله مبتعدة عن روح الحداثة. ومع ذلك، أقر الخراط بمكانة محفوظ الكبيرة، لكنه دعا إلى التجديد والتجريب في الرواية العربية.
نجيب محفوظ: إرث أدبي خالد
باختصار، كان اليوم الأول في معرض القاهرة الدولي للكتاب بمثابة شهادة على الإرث الأدبي الخالد لـ نجيب محفوظ. الفعاليات المتنوعة لم تكتفِ بالاحتفاء بأعماله، بل تعمقت في تحليلها واستكشاف أبعادها المختلفة. كما سلطت الضوء على العلاقة المعقدة بين الأديب والمجتمع، وكيف أثرت هذه العلاقة في إبداعه. هذا اليوم يؤكد أن نجيب محفوظ سيظل حاضرًا في الوجدان الثقافي المصري والعربي لأجيال قادمة. النقاشات المثارة حول أعماله، وحياته، وتأثيره، تشير إلى أن هذا الأديب العظيم لا يزال يثير التساؤلات ويشعل الخيال.















