فجع الجزائريون والعالم العربي برحيل العلامة المؤرخ محمد حربي، الذي وافته المنية عن عمر يناهز 93 عامًا في العاصمة الفرنسية باريس، يوم الخميس 18 يوليو/تموز 2024. يمثل رحيل حربي خسارة فادحة للجزائر، ليس فقط في صفوف المثقفين والباحثين، بل أيضًا في ذاكرتها الوطنية، نظرًا لمساهماته الجسيمة في توثيق تاريخ الحركة الوطنية و حرب التحرير الجزائرية. هذا المقال يسلط الضوء على حياة هذا المجاهد والمؤرخ، وإسهاماته القيمة في خدمة الوطن.

حياة محمد حربي: من النضال السياسي إلى البحث الأكاديمي

ولد محمد حربي في 16 يونيو عام 1933 بمدينة سكيكدة الساحلية شرق الجزائر. انخرط مبكرًا في صفوف الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال، وشهد بنفسه سنوات القمع والاستعمار الفرنسي الذي عانى منه الشعب الجزائري. لم تمنعه دراسته في فرنسا من مواصلة النضال، بل انضم إلى فرع جبهة التحرير الوطني هناك، وشارك بفعالية في جهود الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية.

سنوات الدراسة والنضال في باريس

خلال فترة إقامته في باريس، لم يكتف حربي بالدراسة، بل عمل جنباً إلى جنب مع قادة جبهة التحرير الوطني، وكان من المقربين لكريم بلقاسم، المفاوض الجزائري الرئيسي الذي وقع اتفاقيات إيفيان التاريخية عام 1962، والتي أنهت بذلك الاحتلال الفرنسي للجزائر. هذه الفترة شكلت نقطة تحول في حياته، حيث جمع بين العمل السياسي والمثابرة العلمية.

مسيرة محمد حربي بعد الاستقلال: سجن ونفي و سيرة ذاتية

بعد استقلال الجزائر، شغل محمد حربي منصبًا في ديوان الرئيس أحمد بن بلة، إلا أن انقلابه عام 1965 أدى إلى خلافه مع السلطة الجديدة بقيادة هواري بومدين، مما أدى إلى سجنه. وبعد إطلاق سراحه، اختار النفي الطوعي إلى فرنسا عام 1973، حيث كرس حياته للتدريس الجامعي والبحث الأكاديمي المتعمق في تاريخ الجزائر الحديث.

مؤلفات تركت بصمة في التاريخ الجزائري

تُعتبر مؤلفات محمد حربي من أهم المراجع في تاريخ الجزائر المعاصر. من أبرز أعماله مذكراته القيمة “حياة صمود” التي صدرت عام 2001، والتي سرد فيها تجربته الشخصية في النضال ضد الاستعمار، وكفاحه من أجل الحرية والاستقلال. بالإضافة إلى ذلك، شارك مع المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا في كتابة “تاريخ الجزائر”، وهو عمل ضخم يهدف إلى تقديم رؤية شاملة لتاريخ الجزائر عبر العصور.

كما أثارت كتبه الأخرى مثل ”جبهة التحرير الوطني، السراب والواقع“ جدلاً واسعًا عند صدورها في عام 1980، لما حملته من قراءات نقدية لتجربة الثورة الجزائرية. هذه المؤلفات تعكس عمق فكره، وشجاعته في طرح القضايا التاريخية الشائكة، الأمر الذي ساهم في إثراء النقاش العام حول تاريخ الجزائر. الحركة الوطنية و ثورة التحرير كانتا محط اهتمام رئيسي لأبحاثه وكتبه.

تقدير وطني ودولي لـ محمد حربي

حظي محمد حربي بتقدير كبير من قبل السلطات الجزائرية والشعب الجزائري، وذلك نظرًا لتفانيه في خدمة الوطن، وإسهاماته الجسيمة في الحفاظ على الذاكرة الوطنية. وقد أعرب الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، عن حزنه العميق لوفاته، مشيداً بدوره كـ”مجاهد ومؤرخ مثقف”، الذي فقدته الجزائر بوفاته.

بالإضافة إلى التقدير الوطني، نال حربي احترامًا عالميًا كباحث ومؤرخ مرموق، حيث ساهمت أعماله في التعريف بتاريخ الجزائر وثقافتها على المستوى الدولي. دراسته للتاريخ الجزائري و السرد التاريخي كانت محط إعجاب العديد من الباحثين والخبراء.

رحيل رمز وترك إرث علمي

إن رحيل محمد حربي يمثل خسارة كبيرة ليس فقط للجزائر، بل لكل من يهتم بتاريخ الثورات وحركات التحرر في العالم. فقد ترك وراءه إرثًا علميًا وثقافيًا غنيًا، سيظل يلهم الأجيال القادمة من الباحثين والمثقفين. ويمكن القول أن الذاكرة التاريخية الجزائرية قد فقدت أحد أبرز حراسها.

نحن، بدورنا، ندعو إلى مواصلة العمل على إحياء فكر محمد حربي، وتشجيع البحث والدرس في مجال تاريخ الجزائر، وذلك من أجل بناء مستقبل أفضل لأجيالنا القادمة. رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

Keywords: محمد حربي, الحركة الوطنية, ثورة التحرير, السرد التاريخي, الذاكرة التاريخية.

شاركها.
اترك تعليقاً