من بين الأدوات كافة، يبقى الكتاب أعجب اختراع للإنسان”، بهذه المقولة المعبّرة للكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس تتجلى المكانة العميقة للقراءة، بوصفها فعلا يتجاوز الترف الثقافي ليغدو وسيلة للعبور إلى عالم الجوهر الصاعد، حيث تتلاقى الأزمنة وتتجاور التجارب الإنسانية في صفحات صامتة تنطق بالحياة. القراءة ليست مجرد تراكم للمعرفة، بل تجربة تحول داخلي؛ إذ لا يخرج القارئ من كتاب كما دخله. ومع كل نص إبداعي، تتشكل طبقات جديدة في الوعي، وتُزرع بذور الأسئلة والدهشة، وتترك الكلمات آثارها الخفية في الذاكرة والوجدان. هذا التأثير العميق للقراءة يجعلها أكثر من مجرد هواية، بل ضرورة وجودية.

أهمية القراءة في عالمنا المعاصر

القراءة، في جوهرها، هي حوار صامت بين الكاتب والقارئ، حوار يتجاوز حدود الزمان والمكان. إنها نافذة نطل منها على عوالم مختلفة، ومرآة تعكس ذواتنا، وفرصة لعيش تجارب لم نمر بها. في عصرنا الحالي، الذي يتميز بالسرعة والتشتت، تكتسب القراءة أهمية مضاعفة، فهي توفر ملاذاً آمناً للتأمل والتفكير العميق، وتعزز القدرة على التركيز والانتباه، وهي مهارات ضرورية للنجاح في مختلف جوانب الحياة. كما أنها تساهم في توسيع المدارك، وتنمية الخيال، وتحسين القدرة على التعبير عن الذات.

استطلاع: أجمل الكتب التي بقيت راسخة في الذاكرة عام 2025

مع نهاية عام 2025، يطرح سؤال نفسه: ما هي الكتب التي تركت بصمة واضحة في ذاكرة نخبة من الكتاب والمبدعين العرب؟ وما هو الأثر السحري للقراءة على المبدع والإنسان بشكل عام؟ هذا الاستطلاع يكشف عن تنوع القراءات وتأثيرها العميق على هؤلاء المبدعين.

قراءة تأخرت 12 عامًا

الكاتبة والشاعرة الجزائرية المقيمة في مرسيليا، حياة قاصدي، ترى في القراءة رحلة بحث عن المرافئ، فهي ليست ترفاً بل وسيلة عبور من عوالم الغياب إلى عوالم الحقيقة. وقد أثرت فيها رواية “ساق البامبو” للكاتب الكويتي سعود السنعوسي بشكل خاص، رغم صدورها عام 2013. قاصدي وجدت في هذه الرواية تصويراً صادقاً لبنية المجتمع العربي، حيث تُقاس قيمة الإنسان بمكانته الاجتماعية وليس بإنسانيته. الرواية أكدت لها أن الاعتراف الحقيقي يأتي من الداخل، وأن الإنسان هو القوة القادرة على بناء ذاته دون انتظار إذن من الآخرين. القراءة، بالنسبة لها، تعزز فهم الماضي والحاضر، وتمكننا من رؤية المستقبل بوضوح.

القراءة كغذاء للوجود

الكاتب العراقي المقيم في إسبانيا، محسن الرملي، يرى في القراءة غذاءً لمعنى وجوده الشخصي، وتمريناً يومياً للعقل والروح. على الرغم من أنه لم يجد كتاباً متميزاً بشكل خاص هذا العام، إلا أنه يؤكد أنه لا يندم على أي قراءة، بل يندم على عدم القراءة. ركزت قراءاته هذا العام على القصص القصيرة والدراسات الأدبية، وخاصةً مجموعات قصصية من مختلف أنحاء العالم. هذه القراءات حفزته على مراجعة كتاباته السابقة وكتابة قصص جديدة، مما أدى إلى إصدار مجموعته القصصية “آخر القرويين”. الكتب، بالنسبة له، هي محفز للإبداع والتجديد.

من الاكتشاف إلى التغلغل في الوجدان

الكاتب والناقد التونسي عامر بوعزة، سلط الضوء على رواية “دفاتر الجيلاني ولد حمد” للكاتب التونسي الصحبي الكرعاني، واصفاً إياها برواية ملحمية وسيرة مكان، تضيف قيمة كبيرة لما أسماه “رواية ريف القيروان”. كما أثارت مجموعة “تعال أيها السأم!” للكاتب التونسي وليد أحمد الفرشيشي اهتمامه، معتبراً أنها قراءة ساخرة وثائرة للواقع. بالإضافة إلى ذلك، أشار إلى رواية “الحدث” للكاتبة الفرنسية آني أرنو، التي تمتاز برؤية فريدة للرواية انطلاقاً من فلسفة اجتماعية. هذه القراءات، بحسب بوعزة، تغير نظرتنا إلى العالم وتتغلغل في الذاكرة والوجدان. القراءة المتنوعة تفتح آفاقاً جديدة للتفكير والتأمل.

الأربطة بين العلاقات والوعي

المترجم السوري معاوية عبد المجيد، يرى في رواية “أربطة” للكاتب الإيطالي دومينيكو ستارنونه، عملاً عميقاً يضع علاقاتنا العائلية والاجتماعية على المحك. يشير إلى أن الرواية تثير تساؤلات حول طبيعة الأواصر الإنسانية وتأثيرها على حياتنا. كل كتاب نقرأه، بحسب عبد المجيد، يضيف إلى ضميرنا شيئاً ما، ويزيدنا يقيناً بأن الحياة صعبة، ولكنها تستحق العيش.

الرواية مرآة الواقع

الكاتبة الفلسطينية ليانة بدر، وجدت في رواية “نصف شمس صفراء” لشيماماندا نغوزي أديتشي، صدى لمعاناتها في غزة، حيث صورت الرواية عذاب المدنيين وجنون القوة والتحطيم الأعمى للبلد. الرواية، بالنسبة لها، لم تغيرها بقدر ما تغلغلت في حياتها وكأنها تحكي الموازاة الجارية في الجوع والفقدان والتشتت والفقر. الروايات، في نظرها، هي مرآة تعكس الواقع وت

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version