إهداء معرفي: شهدت الأوساط الثقافية والتاريخية في المملكة العربية السعودية حدثاً بارزاً يتمثل في إهداء “الأعمال الكاملة للمؤرخ إبراهيم بن صالح بن عيسى” إلى رئيس تحرير صحيفة عكاظ، جميل الذيابي، من قبل وزير الدولة خالد بن عبدالرحمن العيسى. يمثل هذا الإهداء، الذي وصفه البعض بـ”وقف معرفي”، خطوة مهمة في صون الذاكرة الوطنية وإتاحة مصادر تاريخية أصيلة للباحثين والمهتمين بـالتاريخ السعودي.
جاء هذا الإهداء بعد سنوات من العمل الدؤوب لدارة الملك عبدالعزيز في جمع وتنقيح وترتيب هذه المخطوطات القيّمة، والتي تمثل بنية تحتية أساسية لفهم التاريخ الحديث للمملكة. وتعد أعمال ابن عيسى مرجعاً بالغ الأهمية للعديد من الدراسات والأبحاث في مجالات التاريخ والجغرافيا والأنساب.
أهمية الأعمال الكاملة لإبراهيم بن صالح بن عيسى
ولد الشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى في أشيقر عام 1270هـ، وعاش فترة حاسمة في تاريخ المنطقة، شهدت تشكل الدولة السعودية الثالثة على يد الملك عبدالعزيز آل سعود. لم يقتصر دوره على التدوين التاريخي، بل كان قاضياً وفقيهاً ومرجعاً للأنساب، مما أكسبه مصداقية وثقة عالية بين معاصريه.
تتميز أعمال ابن عيسى بالدقة والتفصيل، حيث يوثق ليس فقط الأحداث السياسية والعسكرية، بل أيضاً الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للحياة في تلك الفترة. كما يولي اهتماماً خاصاً بوصف المناخ والكوارث الطبيعية مثل سنوات القحط والأوبئة، مما يجعلها مصدراً فريداً لفهم الظروف المعيشية في نجد.
كنوز في المجلدات
تتكون “الأعمال الكاملة” من 19 مجلداً، تضم مجموعة واسعة من المؤلفات، أبرزها “تاريخ بعض الحوادث الواقعة في نجد” و”عقد الدرر” و”مختصر عنوان المجد”. وتقدم هذه الكتب سجلاً تاريخياً شاملاً للأحداث التي وقعت في المنطقة خلال فترة طويلة من الزمن.
بالإضافة إلى ذلك، تحتوي المجلدات على أعمال فقهية مثل “حاشية الروض المربع”، والتي تظهر عمق معرفة ابن عيسى بالفقه الإسلامي وقدرته على تطبيقه على الواقع المعاصر. كما يضم العمل “المجموع الكبير” و”جامع الفوائد” (سبعة مجلدات) معلومات قيمة عن تاريخ الزراعة والطب الشعبي والجغرافيا في نجد.
جهود دارة الملك عبدالعزيز في صون التراث
لم يكن جمع وتنقيح أعمال ابن عيسى مهمة سهلة، حيث كانت المخطوطات مبعثرة في مكتبات خاصة وعامة في السعودية وخارجها. وقد قامت دارة الملك عبدالعزيز بتشكيل لجان متخصصة لجمع هذه المخطوطات وفهرستها وتحقيقها ونشرها.
استغرق هذا العمل سنوات طويلة، وشارك فيه نخبة من الباحثين والمؤرخين. وقد تمكنوا من جمع أكثر من 7000 صفحة من النصوص الأصلية، والتي تم تحريرها وتدقيقها وتقديمها للقراء في حلة جديدة.
يعتبر هذا الإنجاز خطوة مهمة في جهود دارة الملك عبدالعزيز لصون التراث الوطني وإتاحته للباحثين والمهتمين. وتسعى الدارة باستمرار إلى جمع وتنقيح ونشر المزيد من المخطوطات والوثائق التاريخية التي تساهم في إثراء المعرفة بـتاريخ الجزيرة العربية.
تأتي أهمية هذه المجموعة في كونها تقدم منظوراً داخلياً عن الأحداث التي شهدتها المنطقة، بعيداً عن الروايات الخارجية التي قد تكون متحيزة أو ناقصة. كما أنها توفر مصدراً أولياً للباحثين الذين يرغبون في دراسة التراث الثقافي السعودي.
من المتوقع أن تشكل “الأعمال الكاملة للمؤرخ إبراهيم بن صالح بن عيسى” نقطة انطلاق للعديد من الدراسات والأبحاث الجديدة في مجال التاريخ السعودي. وستساهم في تعزيز الوعي بأهمية التراث الوطني والحفاظ عليه للأجيال القادمة. وستواصل دارة الملك عبدالعزيز جهودها في إتاحة هذه الأعمال للجمهور من خلال قنوات مختلفة، بما في ذلك النشر الإلكتروني والمكتبات العامة.















