انطفأ صباح الأحد 8 مارس/آذار 2026 قلب الروائية والناقدة والمترجمة العراقية لطيفة الدليمي (1939 ـ 2026)، عن عمر ناهز 86 عاما، تاركة وراءها إرثاً أدبياً غنياً. لطيفة الدليمي، اسمٌ لامع في سماء الثقافة العربية، كانت من أبرز الأصوات النسوية التي ساهمت في تشكيل المشهد الأدبي خلال النصف الثاني من القرن العشرين. رحيلها يمثل خسارة كبيرة للثقافة العربية، لكن أعمالها ستظل شاهدة على مسيرتها الأدبية الطويلة ومساهماتها القيمة.

لطيفة الدليمي: مسيرة أدبية حافلة بالتميز

حجزت الدليمي مكانتها في المشهد الثقافي العربي بفضل مشروع إبداعي واسع امتد لأكثر من نصف قرن، سعت خلاله إلى تحرير السرد العربي من الهيمنة الذكورية، وفتح مساحات أرحب لتمثلات المرأة في الأدب والفكر. بدأت الكاتبة مسيرتها منذ ستينيات القرن الماضي عبر الصحافة الثقافية العربية، التي كانت آنذاك منصة رئيسة لبروز جيل من الكتّاب الطامحين إلى تجديد الأدب وتحديث لغته وأشكاله.

ومن خلال صفحات الجرائد والمجلات الأدبية العراقية، استطاعت الدليمي أن تشق طريقها في القصة والرواية والنقد والترجمة، واضعة بصمتها في أكثر من ستين مؤلفا. لم تكن كتاباتها مجرد أعمال أدبية، بل كانت تعبيراً عن موقف فكري وأخلاقي تجاه العالم المحيط بها.

بذور النار: انطلاقة نحو الأصالة والتجديد

برز اسم صاحبة رواية “بذور النار” (1988) في مرحلة كانت الثقافة العربية لا تزال تتأرجح بين إرث التقليد ومحاولات التحديث. وفي هذا المناخ الفكري المضطرب، سعت الدليمي إلى بناء مشروعها الخاص، مستندة إلى أسئلة الحداثة والحرية والهوية، وهي أسئلة ظل بعضها مفتوحا حتى اليوم في الفضاء الثقافي العربي.

لم تكتفِ الدليمي بتبني التقنيات السردية الحديثة، بل حرصت على صياغتها ضمن لغة عربية ذات حساسية جمالية خاصة. كانت أعمالها بمثابة دعوة للتفكير النقدي في البنى الاجتماعية والسياسية، والبحث عن أفق ثقافي عربي أكثر انفتاحا على الحداثة دون القطيعة مع التراث. الرواية العربية عند الدليمي لم تكن مجرد سرد للأحداث، بل كانت وسيلة لفهم الواقع وتغييره.

لطيفة الدليمي والثقافة العراقية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي

تبلور حضور لطيفة الدليمي في سياق التحولات الثقافية التي شهدها العراق خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وهي مرحلة عرفت حراكا فكريا واسعا رافق صعود تيارات اليسار الجديد، وما حملته من حماس للتغيير الثقافي والاجتماعي. ورغم الطابع الأيديولوجي الذي طبع تلك المرحلة، حافظت الكتابة الأدبية على قدرتها النقدية في مساءلة الواقع وكشف تناقضاته.

انطلقت الدليمي في مشروعها السردي من رغبة واضحة في تجديد النص الأدبي، مستفيدة من تقنيات السرد الحديثة في الآداب الغربية، لكنها ظلت حريصة على صياغة ذلك ضمن لغة عربية ذات حساسية جمالية خاصة. كانت تعتبر أن الأدب النسوي ليس مجرد إضافة إلى الأدب العربي، بل هو ضرورة لتصحيح المسار وتمثيل الواقع بشكل أكثر عدالة.

الأدب كموقف: النقد الثقافي والاجتماعي في أعمال الدليمي

لم تنظر لطيفة الدليمي إلى الأدب باعتباره مجرد ممارسة جمالية، بل اعتبرته موقفا فكريا وأخلاقيا تجاه العالم. فالكتابة عندها كانت محاولة دائمة لمواجهة واقع عربي متقلب، واستعادة المعنى وسط التحولات العنيفة التي شهدتها المنطقة. وقد عزز حضورها المستمر في الصحافة الثقافية العربية هذا الدور، إذ كانت مقالاتها النقدية تفتح نقاشات واسعة حول الأدب والحداثة والترجمة.

ولهذا اكتسبت مؤلفاتها، مثل “موسيقى صوفية” (2004)، قيمة خاصة في المشهد الثقافي العربي، حيث مزجت بين السرد والتأمل الفلسفي والنقد الثقافي. كانت الدليمي ترى أن النقد الأدبي يجب أن يكون أداة للتغيير الاجتماعي والسياسي، وليس مجرد تحليل للنصوص.

صوت نسوي رائد وأدب بديل

في بداياتها المهنية عملت الدليمي محررة للقصة في مجلة “الطليعة الأدبية” العراقية، التي لعبت دورا مهما في اكتشاف الأصوات الشابة والدفاع عما كان يسمى آنذاك بـ“الأدب البديل”، وهو أدب يسعى إلى التحرر من القيود الأكاديمية والتقاليد السردية السائدة. ومن خلال مجموعاتها القصصية الأولى، مثل “إذا كنت تحب” (1980) و”عالم النساء الوحيدات” (1986)، بدأت ملامح مشروعها الأدبي تتشكل، حيث احتلت المرأة موقعا محوريا في بنية الحكاية ومتخيلها.

لم يكن حضور المرأة في نصوص الدليمي مجرد حضور رمزي، بل جاء مرتبطا بقضية أوسع تتعلق بالدفاع عن حقوقها المدنية، وكشف أشكال التهميش والعنف التي تتعرض لها في المجتمع. ولهذا أصبح أدبها مرجعا مهما للباحثين والنقاد الذين يدرسون صورة المرأة في الأدب العربي.

مفارقة الميلاد والرحيل وإرث لا ينسى

تحمل سيرة لطيفة الدليمي مفارقة لافتة؛ فقد وُلدت في السابع من مارس/آذار، أي قبل يوم واحد من اليوم العالمي للمرأة، ورحلت في الثامن من مارس/آذار نفسه، بعد عقود كرستها للدفاع عن قضايا النساء والحريات المدنية. في أعمالها الروائية المتأخرة، ولا سيما في رواية “سيدات زحل”، مزجت الكاتبة بين التخييل السردي والتأمل الفلسفي، مقدمة نصوصا تتجاوز حدود الحكاية التقليدية نحو فضاء فكري يتناول قضايا السلطة والعنف والطائفية والذاكرة.

برحيل لطيفة الدليمي، تفقد الثقافة العربية صوتا أدبيا ظل لعقود مشغولا بأسئلة الحرية والحداثة والمرأة، لكن أثرها سيبقى حاضرا في أعمالها التي واصلت من خلالها مساءلة الواقع والسرد معا. ستظل لطيفة الدليمي رمزاً للإبداع النسوي والتجديد الأدبي في العالم العربي.

شاركها.
اترك تعليقاً