في فيلمه الأول، يطلق المخرج الكندي كريس ناش تحفة سينمائية فريدة من نوعها في عالم أفلام الرعب، “بطش الطبيعة” (In a Violent Nature). الفيلم لا يقدم مجرد قصة رعب تقليدية، بل يعيد تعريف هذا النوع السينمائي من خلال منظور جديد ومبتكر، يركز على القاتل نفسه بدلاً من الضحايا، ويغرق المشاهد في إيقاع بطيء ومؤرق يعكس وحشية الطبيعة. هذا التحول الجذري يثير تساؤلات حول طبيعة الرعب، وكيف يمكن للسينما أن تتجاوز الصيغ المألوفة لتقدم تجربة أكثر عمقًا وتأملًا.
“بطش الطبيعة”: ثورة في عالم أفلام الرعب
معظم أفلام “القتلة المتسلسلين” تضعنا في موقع الضحية، نرتجف ونشعر بالخوف بينما يلاحقنا الشرير. لكن كريس ناش يقلب هذه المعادلة تمامًا. كاميرته لا تتبع الضحايا، بل تلاحق القاتل الصامت، جوني، وهو يتجول في الغابة، متحللًا وعائدًا من الموت. هذا الاختيار الإخراجي الجريء يحول المشاهد إلى شبح مقيد بوحش، يراقب مسيرته الدموية دون تدخل أو إمكانية للنجاة.
قد تبدو الفكرة مألوفة للوهلة الأولى، لكن “بطش الطبيعة” يتجاوز التوقعات. الفيلم لا يعتمد على التشويق أو الإثارة المعتادة، بل على المراقبة المستمرة لجوني، مما يخلق رابطًا غريبًا بينه وبين المشاهد. هذا الرابط، بدلاً من إثارة الرعب، قد يدفع إلى نوع من اللامبالاة أو حتى العداء تجاه الضحايا، وهو أمر غير معتاد في أفلام الرعب.
قصة الفيلم: لعنة الماضي في أحضان الطبيعة
تدور أحداث الفيلم حول مجموعة من الشباب الذين يقررون قضاء عطلة تخييم في الغابة. يجد أحدهم قلادة صدئة في برج إطفاء مهجور، وبمجرد أن ينتزعها، يعود جوني إلى الحياة، ليبدأ رحلة انتقام وحشية.
لكن ما يميز “بطش الطبيعة” ليس الحدث المحفز، بل الطريقة التي يتم بها سرد القصة. الفيلم لا يركز على بناء التوتر أو توقع الأحداث، بل على تتبع حركة جوني البطيئة والثابتة عبر التضاريس، وهو يطبق قبضته على فريسته. لا يوجد حوار يهدف إلى إنقاذ الضحية، ولا عاطفة قد تحركه. العنف هنا ليس مفاجئًا، بل هو حتمي وقاسٍ.
الخروج عن المألوف: تحولات الرعب الحديث
لا يقتصر “بطش الطبيعة” على كونه مجرد فيلم رعب مبتكر، بل هو جزء من تحول أعمق يشهده هذا النوع السينمائي. خلال العقدين الأخيرين، بدأت أفلام الرعب في الابتعاد عن “الصيغة الكلاسيكية” التي تعتمد على الإثارة والمفاجآت والظواهر الخارقة. الجمهور اليوم يبحث عن تجربة أكثر تعقيدًا، سواء على مستوى الأسلوب أو المعنى.
هذا التحول يعكس أيضًا تغيرات فكرية وفنية تسعى إلى مساءلة جوهر الرعب نفسه. بدلاً من التركيز على الوحوش الخارجية، تتجه أفلام الرعب الحديثة نحو استكشاف الرعب الداخلي، الذي يتمثل في الهوية، والحزن، والصدمة.
أمثلة على أفلام رعب حديثة تعتمد على التحول
- البابادوك (The Babadook): لا يدور الفيلم حول وحش مخيف، بل حول الحزن المكبوت والمرض النفسي.
- وراثي (Hereditary): يتحول الفيلم من دراما عائلية إلى رعب ميتافيزيقي، حيث يصبح الموت والإرث العائلي لعنة وراثية.
- سكينمارين (Skinamarink): يغرق المشاهد في جو كابوسي من الضباب والصمت، دون قصة واضحة أو شخصيات تقليدية.
- اخرج (Get Out): يعيد تعريف الرعب من خلال عدسة العنصرية البنيوية، حيث يصبح الجسد الأسود في خطر دائم.
سكون الطبيعة ووحشية القاتل في “بطش الطبيعة”
ما يميز “بطش الطبيعة” هو التزامه بالتصوير السينمائي الطبيعي والإيقاع غير الدرامي. الفيلم صُوّر في براري كندا الكثيفة، مستخدمًا ضوء النهار الحقيقي والصوت المحيط لخلق عالم يبدو شاسعًا وخاليًا من الهم. المصور السينمائي بيرس ديركس يصور جوني ليس كشخصية محورية، بل ككائن إضافي في المشهد الطبيعي، يتحرك كشبح.
هذا الحياد الظاهري للطبيعة هو ما يجعله مرعبًا بشكل خاص. فالغابة لا تستجيب لجوني، ولا تفر منه الطيور، وكأن كل شيء بالنسبة له محايد أو هو جزء من تلك المفردات. هذا السكون يبرز وحشية القاتل، ويجعل العنف أكثر واقعية ومرعبًا.
أداء مميز وتأثير بصري صادم
الأداء في الفيلم بسيط ومناسب للقصة. يقدم راي باريت أداءً يعتمد كليًا على وضعية الجسم والتنفس، فهو لا يتكلم، وبالكاد يعبر عن مشاعره. هذا الأداء المقيد يعزز من غموض شخصية جوني، ويجعله أكثر تأثرًا.
من بين اللحظات الصادمة في الفيلم، تلك التي تتضمن شخصية تُطوى للخلف عبر نافذة في الوقت الفعلي، وتكسر عظامها بصوت مسموع. لا يوجد قطع سريع أو تشتيت، بل يرى الجمهور ثقل المشهد بالكامل في الوقت الفعلي.
في الختام، “بطش الطبيعة” ليس مجرد فيلم رعب، بل هو تجربة سينمائية فريدة من نوعها، تتحدى توقعات المشاهدين وتقدم رؤية جديدة لهذا النوع السينمائي. الفيلم يستحق المشاهدة لكل من يبحث عن أفلام رعب مختلفة ومثيرة للتفكير، ويثبت أن السينما المستقلة قادرة على تقديم أعمال فنية ذات تأثير عميق. إذا كنت من محبي أفلام الرعب النفسي، فستجد في هذا الفيلم متعة خاصة. ندعوكم لمشاهدة الفيلم ومشاركة انطباعاتكم حول هذه التحفة السينمائية.


