فيلم “البحث عن داود عبد السيد” يضيء محطات حياة “فيلسوف السينما” المصرية
تستعد قناة الجزيرة الوثائقية لعرض فيلم وثائقي ينتظر بشغف من قبل محبي السينما العربية، وهو “البحث عن داود عبد السيد”. الفيلم، الذي سيُعرض للمرة الأولى في الدوحة يوم 13 يناير 2026، يمثل محاولة فنية وإنسانية لاستكشاف عالم المخرج المصري الراحل داود عبد السيد، أحد أهم صناع السينما في المنطقة، والتعمق في مسيرته الفنية وتأثيرها العميق. هذا العمل لن يكون مجرد سيرة ذاتية، بل رحلة لاكتشاف فلسفة السينما التي تميز بها الراحل.
مسيرة الفيلم: من التكريم إلى التأبين
بدأت فكرة إنتاج هذا الفيلم الوثائقي كمبادرة لتكريم داود عبد السيد خلال حياته، وهو ما يعكس التقدير الكبير الذي يكنّه له العاملون في المجال وصناع السينما. لكن، بعد رحيله المفاجئة في نهاية ديسمبر الماضي عن عمر يناهز 79 عامًا، تحول المشروع إلى عمل تأبيني يهدف إلى توثيق مسيرته الحافلة وإحياء ذكراه.
المنتج المنفذ للفيلم، محمد عبد الوهاب، أكد أن المخرج الراحل وافق على الفكرة بسهولة نظرًا للعلاقة الوطيدة التي جمعته بالمخرج أسامة العبد، الذي يعتبره الأب الروحي في عالم الإخراج. هذه العلاقة الشخصية العميقة انعكست على طريقة معالجة الفيلم، حيث سعى المخرج أسامة العبد إلى إعادة اكتشاف داود عبد السيد من خلال عدسة الكاميرا، وتقديم صورة أكثر حميمية وشخصية.
نظرة إنسانية وفنية متوازية
لا يقتصر الفيلم على استعراض الجوائز والأفلام التي قدمها داود عبد السيد، بل يذهب إلى أبعد من ذلك، حيث يسلط الضوء على الجوانب الإنسانية في شخصيته. من خلال شهادات مؤثرة لزوجته، الكاتبة الصحفية كريمة كمال، ومهندس الديكور أنسي أبو سيف، والموسيقي راجح داود، يقدم الفيلم صورة متكاملة للمخرج، تكشف عن أفكاره ومشاعره وتأثيره على من حوله.
أفلام الكيت كات و أرض الخوف و رسائل بحر: علامات فارقة
الفيلم يتتبع مسيرة داود عبد السيد السينمائية، بدءًا من أعماله الأولى وصولًا إلى تحفه الفنية التي تركت بصمة لا تُمحى في تاريخ السينما المصرية والعربية. من بين هذه الأعمال الخالدة، يبرز فيلم “الكيت كات” الذي يعتبره الكثيرون تحفة فنية، بالإضافة إلى “أرض الخوف” و”رسائل بحر”، وغيرها من الأفلام التي تناولت قضايا اجتماعية وإنسانية مهمة بأسلوب فريد ومبتكر. هذه الأعمال تمثل جزءًا أساسيًا من تراث السينما المصرية.
الصحة والتصوير: تحديات تم التغلب عليها
على الرغم من التحديات التي فرضتها الحالة الصحية لـ داود عبد السيد في السنوات الأخيرة، تمكن فريق الفيلم من إكمال العمل بنجاح. أشار عبد الوهاب إلى أن التحضيرات بدأت في أواخر عام 2024، وأن التصوير الفعلي جرى في بداية عام 2025، أي قبل أن يتعرض المخرج الراحل لتدهور كبير في صحته.
وبفضل وعيه وتركيزه الكاملين خلال المقابلات المسجلة، استطاع الفيلم أن يقدم صورة حية وقريبة للمخرج، كما عرفها جمهوره ومحبوه. وهذا يعكس التزام فريق العمل بتقديم عمل دقيق وموثوق، يحترم ذكرى داود عبد السيد ويخلد إسهاماته الفنية.
استعدادات لعرض خاص في مصر
بالتزامن مع عرضه الأول في الدوحة، تجري حاليًا ترتيبات لإقامة عرض خاص للفيلم في مصر خلال الفترة القادمة. هذه الخطوة تأتي في إطار الحرص على مشاركة الفيلم مع جمهور داود عبد السيد في بلاده، وإتاحة الفرصة لهم للاحتفاء بذاكرته وتأمل أعماله.
الفيلم الوثائقي ليس مجرد سرد لأحداث حياة فنان، بل هو دعوة للتأمل في فلسفته ورؤيته، وتقدير الإرث الفني الذي تركه وراءه. كما أنه يمثل فرصة للجيل الجديد للتعرف على داود عبد السيد واكتشاف كنوز سينمته.
إرث سينمائي خالد
رحيل داود عبد السيد يمثل خسارة فادحة للسينما العربية، لكن إرثه الفني سيظل حيًا في قلوب وعقول محبيه ومتابعيه. لقد ترك لنا مجموعة من الأفلام التي تمثل علامات فارقة في تاريخ السينما، وحملت في طياتها رؤية إنسانية عميقة ونقدًا اجتماعيًا جريئًا.
الفيلم الوثائقي “البحث عن داود عبد السيد” يمثل إضافة قيمة إلى هذا الإرث، ويوفر لنا نافذة جديدة للتعمق في عالم هذا الفنان العظيم واستكشاف أبعاده المختلفة. ومن المتوقع أن يحقق الفيلم نجاحًا كبيرًا وأن يساهم في إحياء النقاش حول قضايا السينما والفن، وأن يلهم الأجيال القادمة من المخرجين وصناع السينما.
لا شك أن الفيلم سيثير إعجاب المشاهدين، وسيترك في نفوسهم أثرًا عميقًا، وسيدفعهم إلى إعادة اكتشاف أفلام داود عبد السيد، والتمعن في فلسفته ورؤيته الفنية. إنه عمل يستحق المشاهدة والتقدير، ويمثل تكريمًا مستحقًا لواحد من أعظم مخرجي السينما العربية.















