تتحرك التاريخ في دوائر، ويأتي في المرة الأولى كدراما عادية، وفي الثانية يبدو مهزلة. ولكن ذلك التكرار لا يأتي كأحداث متطابقة، إنما كأنماط منطقية متكررة. وقد برزت سياسات حافة الهاوية النووية، والثقة المفرطة بالتكنولوجيا، والاعتقاد بإمكانية “إدارة” الكوارث منذ منتصف القرن العشرين. السينما، بقدرتها الفريدة على استشراف هذه الأنماط، قدمت لنا تحذيرات مبكرة، ربما أهمها فيلم “دكتور سترينجلوف”.

فيلم دكتور سترينجلوف: تحذير نووي لا يزال يتردد صداه

يعتبر فيلم “دكتور سترينجلوف أو: كيف تعلمت التوقف عن القلق وأحببت القنبلة” (Dr. Strangelove or: How I Learned to Stop Worrying and Love the Bomb) الذي أخرجه ستانلي كوبريك عام 1964، أكثر من مجرد عمل سينمائي ساخر. إنه تشخيص عميق لكيفية فشل الأنظمة القوية، وكيف يمكن للعقلانية الباردة أن تقود إلى كارثة. في ظل الحرب الباردة وتصاعد التوترات، قدم كوبريك رؤية مقلقة حول خطر الحرب النووية، رؤية لا تزال ذات صلة بشكل مدهش حتى اليوم.

السياق التاريخي والبداية الصادمة

أُنتج الفيلم في أعقاب أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، وهي الفترة التي اقترب فيها العالم من الدمار النووي أكثر من أي وقت مضى. في البداية، استُقبل الفيلم على أنه سخرية لاذعة من السياسة النووية، لكن مع مرور الوقت، أصبح واضحًا أنه يقدم تحليلاً أكثر عمقًا وواقعية. لم تكن المشكلة تكمن في الجنون الفردي، بل في الأنظمة التي تسمح بحدوث مثل هذه الأخطاء، وأنظمة تعمل بمنطقها الخاص دون اعتبار للعواقب الإنسانية.

السينما كمرآة للمستقبل: قدرة على التنبؤ بالأنماط

لم يكن ستانلي كوبريك يؤمن بقدرة السينما على التنبؤ بأحداث محددة، بل بقدرتها على كشف الحقائق البنيوية الكامنة في المجتمع. في مقابلة له، عبّر عن قلقه من أن التقنيات الحديثة أصبحت “بالغة التعقيد لدرجة أن البشر الذين يتحكمون بها لم يعودوا يفهمون عواقبها فهما كاملا”. هذا القلق هو الذي دفع إلى إنتاج فيلم “دكتور سترينجلوف”، وهو محاولة لفهم المنطق العبثي الذي يحكم سباق التسلح النووي.

من الرواية إلى السخرية اللاذعة

اعتمد كوبريك في كتابة السيناريو على رواية “الإنذار الأحمر” للكاتب بيتر جورج، لكنه سرعان ما ابتعد عن الاقتباس المباشر. أدرك كوبريك أن الواقعية وحدها لا تكفي لتصوير العبثية الكامنة في المنطق النووي، وأن السخرية هي الرد المنطقي الوحيد. وهذا ما يفسر قراره بتقديم شخصيات مبالغ فيها ومواقف سخيفة، بهدف إثارة الضحك والقلق في آن واحد.

الجمالية البصرية والرسالة الأخلاقية

تميز فيلم “دكتور سترينجلوف” بجمالياته البصرية الفريدة، حيث اختار كوبريك التصوير بالأبيض والأسود لزيادة التركيز على التناظر والمساحات المغلقة والتسلسل الهرمي الصارم. “غرفة الحرب” الشهيرة، بتصميمها الهندسي الدقيق وإضاءتها القاسية، تجسد التناقض الجوهري للفيلم: نظام بصري مطلق يخفي فوضى أخلاقية عميقة.

“غرفة الحرب”: رمز للقوة والعجز

تصميم الإنتاج لكين آدمز يصور القوة كشكل هندسي، حيث توحي الطاولة الدائرية الضخمة بسلطة عقلانية. ومع ذلك، فإن كل قرار يتخذ داخل هذه المساحة يدفع باتجاه الكارثة. لم يهدف كوبريك إلى إثارة الهستيريا، بل إلى تكثيف الرعب من خلال تطبيعه، وإظهار كيف يمكن لقرارات خطيرة أن تُتخذ ببرود وتيه. أراد أن تبدو “غرفة الحرب” جادة بما يكفي لجعل الكوميديا مقلقة، وهذا التوازن هو سر قوة الفيلم الدائمة.

الشخصيات كأدوار: غياب البطل والمنطق المؤسسي

لا يقدم الفيلم بطلاً رئيسيًا، بل تعتبر الشخصيات مجرد امتداد للمنطق المؤسسي. قائد المجموعة ليونيل ماندريك يمثل الطاعة الإجرائية، بينما يجسد الجنرال جاك دي ريبر الاستبداد المرضي. أما الرئيس ميركين مافلي فهو عقلاني ومهذب، ولكنه عديم الفائدة بشكل كارثي. أداء بيتر سيلرز للشخصيات الثلاثة لم يكن مجرد استعراض، بل كان خيارًا أساسيًا لكشف كيف تغير السلطة أقنعتها مع الحفاظ على منطقها. السلطة تبدو عقلانية، وعبثية، وعاجزة في الوقت نفسه، وهي أوجه مختلفة لنظام واحد فاشل. الفشل لا يرجع إلى الاختلافات الفردية، بل إلى قابلية تبادل الأدوار داخل نظام معيب.

دكتور سترينجلوف: العقلانية المتطرفة

شخصية دكتور سترينجلوف نفسها تمثل العقلانية المتطرفة، حيث يشير إلى “إمكانية النجاة” من الحرب العالمية الثالثة بدقة متناهية. هذا يعكس قناعة خبراء الحرب الباردة بأن الحرب النووية أمر لا مفر منه، وهي قناعة شاركها كوبريك وقام بتوسيعها في الفيلم.

فيلم دكتور سترينجلوف: إرث مستمر

على الرغم من مرور أكثر من ستة عقود على إصداره، لا يزال فيلم “دكتور سترينجلوف” حاضراً بقوة، ويطرح أسئلة ملحة حول خطر الأسلحة النووية، ودور التكنولوجيا في تهديد البشرية، وهشاشة السيطرة. الترسانات النووية لا تزال موجودة، والتكنولوجيا الحديثة تواصل التوغل في حياتنا، مما يجعل رسالة الفيلم أكثر أهمية من أي وقت مضى. لا يهدف الفيلم إلى تقديم العزاء، بل إلى التأكيد على أن الأزمة مستمرة، وأننا بحاجة إلى التفكير بشكل نقدي في الأنظمة التي تحكم عالمنا. إنه دعوة للاستيقاظ، وتحذير من أن العقلانية الباردة يمكن أن تقودنا إلى الهاوية.

شاركها.
اترك تعليقاً