نشر القرآن الكريم: رحلة معهد رستو -البركة الماليزي نحو العالمية
في عالم يزداد فيه التنوع الثقافي، يبرز دور نشر القرآن الكريم بطرق تتجاوز مجرد الترجمة اللغوية، لتشمل فهمًا عميقًا للثقافات المختلفة. هذا ما يفعله معهد رستو -البركة لطباعة ونشر القرآن الكريم في ماليزيا، والذي بدأ رحلته قبل أكثر من أربعين عامًا، ليقدم القرآن الكريم بتصاميم تعكس ثقافة الشعوب المختلفة. هذا المقال يستعرض قصة هذا المعهد الطموحة، وكيف تحول من مشروع محلي إلى مؤسسة عالمية رائدة في مجال طباعة المصحف الشريف.
البدايات: مصحف ماليزيا.. انطلاق نحو التميز
بدأت القصة في التسعينيات، عندما كان الدكتور عبد اللطيف ميراسا وزيرًا في الحكومة المحلية لولاية بينانغ. كان الهدف الأساسي هو تقديم القرآن الكريم بتصميم يعكس الهوية الماليزية، مع تقدير الجهود المبذولة في طباعة المصاحف في الشرق الأوسط وغيرها من البلدان. لم يكن الأمر مجرد طباعة، بل كان بحثًا عن إرث ماليزي يظهر على صفحات كتاب الله.
سنوات من البحث والتصميم
استغرق إعداد أول مخطوطة ماليزية للقرآن الكريم خمس سنوات من العمل الدؤوب، تخللها دراسات واسعة النطاق لاختيار المواد والتصاميم والألوان المناسبة. لم يقتصر البحث على الجوانب الجمالية، بل تعمق في فهم معاني القرآن الكريم لضمان توافق التصميم مع مضمونه. بعد عشر سنوات من الجهد المتواصل، ظهر “مصحف ماليزيا” إلى النور، ليحمل في طياته جماليات الفن الماليزي.
التحديات الأولية: تمويل وشغف بالقرآن
لم يكن الطريق مفروشًا بالورود. واجه المعهد تحديات كبيرة، خاصة فيما يتعلق بالتمويل. كان الموظفون يتقاضون نصف رواتبهم، لكنهم استمروا في العمل بدافع الشغف لخدمة القرآن الكريم. هذا الدافع الشخصي، كما يؤكد الدكتور ميراسا، لا يزال مستمرًا حتى اليوم.
الحفاظ على استمرارية فن الخط
أدرك المعهد أهمية الحفاظ على فن الخط العربي، خاصةً مع قلة الخطاطين المهرة. لذلك، قام بتأسيس كلية لتعليم فنون الخط والزخرفة، لضمان استمرارية هذا الفن العريق المرتبط ارتباطًا وثيقًا بنسخ المصحف الشريف.
التحول إلى مؤسسة عالمية: خبرة وتكنولوجيا
بعد إنجاز مصحف ماليزيا، تم حفظ جميع الأبحاث التي تمت خلال عملية الإعداد. هذه الأبحاث، التي شملت كل ما يتعلق بطباعة المصحف وتنسيق الألوان والزخارف، أصبحت بمثابة ملكية فكرية قيّمة.
نظام متكامل لطباعة المصاحف
بفضل هذه الخبرة المتراكمة، أصبح المعهد قادرًا على طباعة مصاحف خاصة ببلدان مختلفة في وقت قصير جدًا. فالموضوع لم يعد يعتمد على شخص واحد، بل أصبح نظامًا متكاملاً يمكن تقديمه للعالم. اليوم، يطمح المعهد إلى طباعة القرآن الكريم بـ 50 لغة وثقافة مختلفة، مستفيدًا من التكنولوجيا الرقمية المتقدمة. هذا التوسع العالمي يعزز فكرة أن القرآن الكريم يمكن أن يكون جزءًا من ثقافة كل شعب، مع الحفاظ على العقيدة الإسلامية الأساسية.
مستقبل نشر القرآن الكريم: رؤية عالمية
إن قصة معهد رستو -البركة هي قصة شغف وإخلاص وتفانٍ في خدمة القرآن الكريم. من خلال الجمع بين الفن والثقافة والتكنولوجيا، نجح المعهد في تقديم المصحف الشريف بطرق مبتكرة وجذابة، مما يساهم في تعزيز فهمه ونشره في جميع أنحاء العالم. بالإضافة إلى القرآن الكريم، يركز المعهد على تطوير الخط العربي و الزخرفة الإسلامية كجزء من هويته الثقافية. إن هذا المعهد يمثل نموذجًا يحتذى به في مجال نشر القرآن الكريم، ويؤكد على أهمية التنوع الثقافي في خدمة الدين الإسلامي.
إن نجاح هذا المعهد يدعو إلى مزيد من التعاون بين المؤسسات الإسلامية لتقديم القرآن الكريم بأفضل صورة ممكنة، وتعزيز دوره في بناء مجتمعات متسامحة ومزدهرة.















