مهرجان روتردام السينمائي الدولي يشهد تألقًا للسينما العربية ويدعم أصواتًا جديدة
شهد مهرجان روتردام السينمائي الدولي، الذي انطلق في هولندا، إقبالًا جماهيريًا لافتًا على الفيلم المصري “شكوى رقم 713317″، ضمن برنامج “المستقبل المشرق” المخصص لاكتشاف المواهب السينمائية الصاعدة. هذا النجاح، بالإضافة إلى مبادرات دعم الأفلام المهمشة، يعكس التزام المهرجان بتقديم منصة متنوعة وشاملة لصناع الأفلام من جميع أنحاء العالم. يمثل مهرجان روتردام السينمائي هذا العام نقطة التقاء للسينما المستقلة والقصص المؤثرة.
“شكوى رقم 713317” يثير الإعجاب في روتردام
الفيلم المصري، من إخراج ياسر شفيعي، انطلق من فكرة بسيطة – عطل في ثلاجة زوجين متقاعدين – ليتحول إلى رحلة سينمائية معقدة تستكشف البيروقراطية، الذاكرة، والضغط النفسي. هذا العمل السينمائي، الذي حظي باستقبال جيد من النقاد والجمهور، يبرز قدرة السينما المصرية على تقديم قصص إنسانية عميقة ومؤثرة. الفيلم يمثل إضافة قيمة للسينما العربية في المحافل الدولية.
“صندوق أفلام النزوح”: سينما المقاومة والذاكرة
بالتوازي مع العروض السينمائية، افتتحت الدورة الثانية من “صندوق أفلام النزوح” (Displacement Film Fund)، وهي مبادرة تقودها الممثلة العالمية كيت بلانشيت بالشراكة مع مهرجان روتردام وصندوق “هوبرت بالز” والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. هذه المبادرة لا تنظر إلى النزوح كمجرد موضوع إخباري، بل كحالة إنسانية معقدة تتطلب معالجة فنية عميقة.
قصص من أوكرانيا وسوريا وأفغانستان
الأفلام القصيرة المعروضة في هذه الدورة تقدم تجارب متنوعة من أوكرانيا، سوريا، أفغانستان، الصومال، وإيران. هذه الأفلام لا تكتفي بسرد المعاناة، بل تعيد تعريف معنى الانتماء والهوية في عالم يشهد نزوحًا متزايدًا. تستخدم هذه الأعمال السينمائية الفن كأداة للمقاومة ووسيلة للتعبير عن الألم والأمل.
تشكيلة واسعة من الأفلام في الدورة الخامسة والخمسين
تتميز الدورة الخامسة والخمسون من مهرجان روتردام بتشكيلة واسعة من الأفلام، حيث يشارك مئات الأعمال من أكثر من خمسين دولة. تتنوع الأفلام بين الروائي الطويل والقصير، الوثائقي، والتجريبي، مما يعكس التزام المهرجان بتقديم تجارب سينمائية متنوعة.
المسابقة الرسمية: نظرة على التحولات الاجتماعية
تضم المسابقة الرسمية (Tiger Competition) مجموعة من الأفلام الروائية الأولى أو الثانية لمخرجيها، قادمة من مختلف قارات العالم. على الرغم من اختلاف موضوعات الأفلام، إلا أنها تشترك في انشغالها بالتحولات البطيئة في حياة الأفراد وبالسؤال عن موقع الإنسان داخل الأنظمة الاجتماعية والسياسية المتغيرة. هذه الأفلام تقدم خريطة مصغرة لعالم قلق، تروى قصصه بأساليب سينمائية مختلفة.
أفلام بارزة في المسابقة
من بين الأفلام اللافتة في المسابقة الرسمية، يبرز فيلم “عام جميل” (La belle année) للمخرجة السويدية أنجيليكا روفيييه، وهو عمل درامي هادئ يتأمل لحظة مفصلية في حياة شخصياته. كما يقدم المخرج الألماني ويلف راينهارت فيلمه “رجل يتلاشى” (A Fading Man)، الذي يتعامل مع فكرة التلاشي كتجربة وجودية. أما فيلم “ماي سيمبا” (My Semba) للمخرج الأنغولي هوغو سالفاتيرا، فينقل المسابقة إلى قلب لواندا، حيث تمتزج الموسيقى بالسياسة والحياة اليومية.
مسابقة الشاشة الكبرى: مزيج من الرومانسية والتشويق
في مسابقة الشاشة الكبرى، يبرز فيلم “مانغولو” (Moonglow) للمخرجة الفلبينية إيزابيل ساندوفال، وهو عمل يجمع بين الرومانسية والميلودراما في إطار معاصر. كما يقدم المخرج البريطاني شون دان فيلم “سقوط السيد دوغلاس ويزفورد” (The Fall of Sir Douglas Weatherford)، الذي يستخدم الكوميديا السوداء للتأمل في الشيخوخة والسلطة والهوية. هذه الأفلام تقدم صورة واضحة عن طبيعة المسابقة الرسمية في مهرجان روتردام السينمائي هذا العام، حيث نرى سينما تبحث عن المعنى وتتعامل مع التحول كشرط يومي.
حوارات مفتوحة ومستقبل السينما المستقلة
يحتضن المهرجان سلسلة من الحوارات واللقاءات المفتوحة التي تجمع صناع الأفلام والنقاد والباحثين لمناقشة قضايا مهمة مثل حرية التعبير وأخلاقيات السرد ومستقبل الصناعة المستقلة. السينما المستقلة تواجه تحديات كبيرة في ظل تحولات التمويل والمنصات الرقمية، وهذا المهرجان يوفر مساحة للتفكير في هذه التحديات.
في الختام، يبدو مهرجان روتردام السينمائي الدولي هذا العام أقرب إلى مرآة تعكس العالم في حالته الراهنة. من فيلم مصري يبدأ من تفاصيل الحياة اليومية، إلى أفلام نزوح تعبر القارات، يرسم المهرجان صورة لسينما لا تدعي الإجابة، لكنها تصر على طرح الأسئلة المهمة في الوقت المناسب. هذا المهرجان يمثل منصة حيوية لدعم السينما العربية والسينما المستقلة حول العالم، ويساهم في إثراء المشهد السينمائي العالمي.














