تحولات المدينة العربية في الرواية المعاصرة: من ملاذ اجتماعي إلى جهاز قمع

لطالما كانت المدينة في الأدب العربي مرآة تعكس الواقع الاجتماعي والثقافي، ومسرحًا لتشكل الهويات والعلاقات الإنسانية. لكن هذا التصور التقليدي للمدينة كبؤرة للحياة والتفاعل قد تغير بشكل جذري في الرواية العربية الحديثة. فلم تعد المدينة هي ذلك الفضاء الدافئ الذي يحتضن الأحلام والطموحات، بل تحولت إلى كيان غريب، يمارس القمع والعزل، ويعكس أزمة عميقة في المجتمعات العربية. هذا التحول ليس مجرد تغيير في أساليب السرد، بل هو انعكاس لتغيرات جوهرية في قلب المدينة نفسها، وفي طبيعة المجال العام وعلاقته بالفرد.

المدينة في الذاكرة: مجتمع متكامل وهوية متجذرة

قبل خمسينيات القرن الماضي، كانت الرواية العربية تصور المدينة ككيان حي، يتنفس مع سكانه، وينتج علاقاتهم الاجتماعية. كانت “قاهرة نجيب محفوظ” مثالاً بارزًا على ذلك، حيث لم تكن مجرد خلفية للأحداث، بل كانت مجتمعًا كاملاً، بكل ما فيه من تعقيدات وتناقضات. الحي، والمقهى، والدكان، والشارع، كانت كلها أماكن حيوية تساهم في صناعة المعنى العام للحياة، وفي تشكيل مصائر الأفراد.

كانت المدينة في تلك الفترة تمثل فضاءً للانتماء والتمرد والتفاوض، حيث يمكن للفرد أن يجد مكانه، وأن يعبر عن هويته، وأن يشارك في بناء مجتمعه. هذا التصور امتد ليشمل العديد من التجارب الروائية العربية الأخرى، التي جعلت من المدينة مركزًا للإنتاج الاجتماعي والسياسي، ومنطلقًا للحركات الاجتماعية والسياسية.

صعود الدولة الأمنية وتغيير وظيفة المدينة

مع توسع الدولة الأمنية وتزايد سلطتها، بدأت المدينة تفقد هويتها الاجتماعية، وتتحول إلى مركز للمراقبة والقمع. لم تعد المدينة مكانًا للعيش والتفاعل، بل أصبحت مجرد مكان لإطعام الساكنين ومراقبتهم، وقمعهم إذا لزم الأمر.

هذا التحول لم يمر دون ملاحظة من قبل الروائيين، الذين يمتلكون حساسية خاصة تجاه التغيرات الاجتماعية والثقافية. بدأ السرد العربي في نقل هذه الصورة الجديدة للمدينة، التي أصبحت فضاءً معادياً للفرد والمجتمع.

“في غرفة العنكبوت”: جهاز الإقصاء والاحتماء بالداخل

يصف الناقد المصري صبري حافظ، في قراءته للرواية العربية بعد 2011، تحولًا ملحوظًا في السرد، حيث “ينقل الصراع من الشارع إلى الغرفة، ومن الجماعة إلى الجسد”. هذا التحول ليس انسحابًا من السياسة، بل هو إعادة تموضع للسرد في مواجهة مجال عام لم يعد قابلاً للاستخدام.

تجسد رواية “في غرفة العنكبوت” لمحمد عبد النبي هذا التحول بشكل واضح. فالغرفة تصبح وحدة السرد الأساسية، نتيجة مباشرة لتحول المدينة إلى فضاء معادٍ. القاهرة حاضرة بالاسم، لكن النسيج الاجتماعي غائب تمامًا. لم يبق من قاهرة المعز سوى “جهاز إقصاء”، لا شوارع فاعلة، ولا حياة عامة، ولا مساحات مشتركة بين البشر. الروائي يختار بوعي أن يصف المدينة التي تنتج الخوف لا العلاقات، وأن يصور مجالًا عامًا يمثل خطرًا دائمًا.

“مدن الملح”: المدينة كمؤسسة اقتصادية خالصة

من منظور مختلف، يقدم الناقد الأمريكي فريدريك جيمسون إطارًا لفهم هذا التحول، حيث يربط بين الحداثة المتأخرة وتحويل الفضاء إلى وظيفة. يرى جيمسون أن المدينة الحديثة لم تعد تُفهم كتجربة معيشة، بل كمنظومة تشغيل، حيث يُعاد تعريف المكان وفق منطق الإنتاج والرقابة.

تعتبر خماسية “مدن الملح” لعبد الرحمن منيف نصًا استباقيًا لهذه التحولات في المدن العربية. منيف يجسد المدينة كبنية اقتصادية خالصة، فالمدن النفطية لا تنمو بشكل طبيعي، ولا تتشكل عبر التراكم المجتمعي. الإنسان هنا مجرد عنصر قابل للاستبدال داخل مؤسسة اقتصادية، وشكل المدينة موجود لكنه لا ينتج مجتمعًا حقيقيًا.

“ترمي بشرر”: العزل الطبقي والهيمنة المغلقة

يشير الناقد السعودي عبد الله الغذامي، في قراءته للرواية السعودية الجديدة، إلى أن السرد لم يعد يشتغل على “المجتمع” بقدر ما يشتغل على “السلطة داخل المكان”. هذا التصور ينسجم مع عالم “ترمي بشرر” لعبده خال، حيث تتحول المدينة إلى مسرح مغلق للهيمنة، وتختفي فكرة المجال المشترك لصالح فضاءات خاصة تنتج العنف الرمزي.

في هذه الرواية، المدينة ليست مجرد مكان للعزل، بل هي مدينة “عنصرية” من الطراز الأصعب، حيث يورط الفرد في منطقها القاسي، ولا يستطيع أن يعيش إلا تحت ذلها. القهر يقع على الجميع، لكنه لا يقع بالتساوي، فهناك مساحة للأقوياء، وأخرى غير مرئية للضعفاء.

خلاصة: المدينة كمرآة للأزمة العربية

على الرغم من اختلاف السياقات الزمنية والأسلوبية، إلا أن روايات “في غرفة العنكبوت” و”مدن الملح” و”ترمي بشرر” تشترك في إدراك مفجع بأن المدينة لم تعد قادرة على جمع أبنائها حولها، وأداء دورها التقليدي في إنتاج الهوية والعلاقات الاجتماعية.

هذا التحول هو في المقام الأول تحول ثقافي، ثم تحول فني. لم يأت التغيير السردي بسبب تطوير أساليب التعبير، بل بسبب التغيرات العميقة في الواقع الاجتماعي والثقافي العربي. الرواية هنا لا تبكي على المدينة، بل توثق هذا التحول العميق في علاقة الفرد بالمكان. المدينة لم تعد بطلًا خيّرًا، لكنها لم تختف. لقد أصبحت “بطلاً شريراً”، ومن خلاله، تسأل الرواية عن سبل النجاة في مدن لم تعد تشبه نفسها. هل يمكن استعادة المجال العام؟ هل يمكن إعادة بناء النسيج الاجتماعي؟ هذه هي الأسئلة التي تطرحها الرواية العربية المعاصرة، وهي أسئلة ملحة تستحق التفكير والبحث.

شاركها.
اترك تعليقاً