في أزمنة القلق والخوف، يجد الكثيرون أنفسهم غارقين في سيل من الأخبار والتحليلات المتلاحقة، ويدفعهم ذلك للبحث عن ملاذ في عوالم أخرى، عوالم الرواية. هذه الظاهرة ليست مجرد هروب من الواقع، بل هي بحث عن فهم أعمق للأحداث الجارية، وعن معانٍ قد تكون أفلتت من قبضة التغطية الإخبارية السريعة. تشهد مبيعات الروايات الكلاسيكية والمعاصرة ارتفاعًا ملحوظًا في فترات الأزمات السياسية والاجتماعية، مما يؤكد هذا التحول في سلوك القارئ. فالرواية، في هذه اللحظات، تصبح أكثر من مجرد وسيلة ترفيه؛ إنها أداة لاستكشاف الوجود الإنساني، وفهم دوافع القلق والخوف، والتنبؤ بالمستقبل من خلال دراسة الماضي.

عودة الرواية: ملاذ من ضجيج الأخبار

لم يعد القارئ العربي والغربي يبحث في الرواية عن مجرد المتعة أو الحنين إلى الماضي، بل عن إجابات لأسئلته الوجودية والسياسية. ففي كل مرة تهتز فيها المشاعر العامة بسبب حدث جلل، نجد أن الروايات التي تتناول مواضيع مشابهة تتصدر قوائم المبيعات. هذا يشير إلى أن القارئ يرى في الرواية مرآة تعكس صراعاته الداخلية، ومخاوفه الجماعية، وتطلعاته نحو مستقبل أفضل.

الرواية تقدم مساحة للتفكير النقدي والتأمل العميق، وهي مساحة غالبًا ما تفتقدها الأخبار التي تركز على السرعة والإيجاز. بالإضافة إلى ذلك، تسمح الرواية باستكشاف الأبعاد الإنسانية للأحداث السياسية، وتقديم وجهات نظر متعددة، مما يساعد القارئ على تكوين فهم أكثر شمولية للواقع.

رواد الرواية العربية في زمن الأزمات

في عالمنا العربي، تبرز أسماء رواد الرواية كمرجع أساسي لفهم التحولات السياسية والاجتماعية. رضوى عاشور، بملحمتها التاريخية “ثلاثية غرناطة”، تقدم للقارئ تحليلًا عميقًا لسقوط الأندلس، وكيف يمكن للتجربة التاريخية أن تلقي الضوء على الأحداث المعاصرة. الرواية لا تقتصر على سرد الأحداث التاريخية، بل تركز على تأثير القهر والظلم على حياة الأفراد والمجتمعات، وعلى أهمية المقاومة والصمود.

نجيب محفوظ، بأسلوبه الواقعي الفريد، يجسد في رواياته مثل “الحرافيش” الصراعات الاجتماعية والسياسية في مصر. الحارة المصرية، في روايات محفوظ، ليست مجرد مكان جغرافي، بل هي نموذج مصغر للعالم، بكل ما فيه من تناقضات وصراعات.

أما الطيب صالح، فروايته “موسم الهجرة إلى الشمال” تظل ذات صلة قوية بالواقع العربي، حيث تتناول قضايا الهوية والهجرة والصراع بين الشرق والغرب. هذه الرواية، التي صدرت عام 1966، لا تزال تثير نقاشات حادة حول هذه القضايا، وتمنح القارئ إطارًا لفهم التحديات التي تواجه المجتمعات العربية في عصر العولمة.

أصداء عالمية: أورويل وكامو وآتوود

على الصعيد العالمي، تتكرر هذه الظاهرة مع اختلاف السياقات. رواية جورج أورويل “1984”، على سبيل المثال، شهدت ارتفاعًا هائلاً في المبيعات بعد تنصيب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، وتصاعد الجدل حول مفهوم “الحقائق البديلة”. الرواية تقدم تحذيرًا مبكرًا من مخاطر الشمولية والمراقبة والقمع الفكري، وهي مخاطر لا تزال قائمة في العديد من المجتمعات حول العالم.

ألبرت كامو، بروايته “الغريب”، يعبر عن شعور بالاغتراب واللامبالاة يطارد الكثيرين في عالمنا المعاصر. هذه الرواية، التي اكتسبت شعبية كبيرة خلال جائحة كوفيد-19، تقدم للقارئ تأملًا عميقًا في معنى الوجود الإنساني، وفي العلاقة بين الفرد والمجتمع.

كما أن روايات مارغريت آتوود، مثل “حكاية أمة”، تثير قضايا مهمة تتعلق بالمرأة والسلطة والحرية. هذه الروايات، التي غالبًا ما تصور مجتمعات ديستوبية، تحذر من مخاطر التطرف الديني والسياسي، ومن أهمية الدفاع عن الحقوق والحريات الأساسية.

لماذا تشرح الرواية السياسة أحيانًا بشكل أفضل؟

يكمن سر قدرة الرواية على شرح السياسة في قدرتها على تقديم الأحداث من منظور إنساني، وعلى استكشاف الدوافع الخفية وراء القرارات السياسية. فالرواية لا تقتصر على سرد الحقائق والأرقام، بل تركز على تأثير هذه الحقائق والأرقام على حياة الأفراد والمجتمعات.

بالإضافة إلى ذلك، تسمح الرواية بتقديم تفسيرات بديلة للأحداث السياسية، وتحدي الروايات الرسمية. فالرواية يمكن أن تكون أداة للمقاومة والتغيير، ويمكن أن تساعد القارئ على تكوين رأي مستقل حول القضايا السياسية.

الرواية: سجل للخبرة الإنسانية

في الختام، يمكن القول إن عودة الرواية إلى دائرة الضوء في أزمنة القلق والخوف ليست مجرد صدفة. إنها تعكس حاجة القارئ إلى فهم العالم من حوله، وإلى البحث عن معنى في خضم الفوضى والاضطراب. فالرواية، في هذه اللحظات، تصبح أكثر من مجرد وسيلة ترفيه؛ إنها سجل للخبرة الإنسانية، وأداة للتفكير النقدي، ومصدر للإلهام والأمل. لذا، في المرة القادمة التي تشعر فيها بالإرهاق من الأخبار، حاول أن تلجأ إلى عالم الرواية، فقد تجد فيه الإجابات التي تبحث عنها، والفهم الذي تحتاجه.

شاركها.
اترك تعليقاً