في تطور لافت، لم يكن سحب دار النشر الفرنسية العريقة “هاشيت” (Hachette) لكتيبات الدعم المدرسي مجرد إجراء تصحيحي بسيط، بل أزمة سياسية وثقافية عميقة كشفت عن صراعات خفية حول التاريخ المدرسي في فرنسا. القضية، التي اندلعت بسبب وصف قتلى عملية طوفان الأقصى بـ “المستوطنين”، أثارت جدلاً واسعاً حول حدود السلطة في تشكيل الذاكرة الجماعية، وتأثير التيارات اليمينية المتشددة على المؤسسات الثقافية والتعليمية. هذه الأزمة تضع سؤالاً هاماً حول كيفية تناول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في المناهج الدراسية الفرنسية، وتوازن السرديات المتنافسة.

أزمة “المستوطنين”: شرارة الصراع

بدأت الأزمة بتنبيه من “الرابطة الدولية لمكافحة العنصرية ومعاداة السامية” (Licra) حول فقرة في كتاب “أوبجكتيف باك” (Objectif Bac) المخصص لطلاب الثانوية العامة. الفقرة وصفت القتلى الإسرائيليين في هجوم 7 أكتوبر بـ “المستوطنين اليهود”، وهو مصطلح يثير حساسية بالغة.

فالكلمة “مستوطن” في السياق الفرنسي، غالباً ما تُستخدم للإشارة إلى المقيمين في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وليس المواطنين الإسرائيليين بشكل عام. استخدامها لوصف الضحايا الإسرائيليين، حتى داخل الخط الأخضر، اعتبره الكثيرون بمثابة نزع الشرعية عن وجود إسرائيل.

ردود الفعل الرسمية والسياسية

لم يتأخر رد فعل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي وصف استخدام هذا المصطلح بأنه “تزوير للحقائق” و”إعادة نظر مشوهة للتاريخ”. هذا الاستنفار الرئاسي يعكس حساسية الإليزيه تجاه أي تعبير قد يُفسر على أنه تقويض للشرعية الإسرائيلية في السردية التعليمية الفرنسية.

الأزمة لم تتوقف عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل انتقادات من اليمين والوسط الفرنسي، حيث اتهم يوناثان أرفي، رئيس المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية، الكتاب بتجاهل وصف حركة حماس بـ “المنظمة الإرهابية”، معتبراً ذلك بمثابة “تبرير للإرهاب”.

“هاشيت” تحت المجهر: تحولات ثقافية وسياسية

لا يمكن فهم هذه الأزمة بمعزل عن التغييرات التي طرأت على دار النشر “هاشيت” نفسها. فبعد استحواذ الملياردير المحافظ “فنسان بولوريه” عليها في نهاية عام 2023، أصبحت الدار تحت مراقبة دقيقة من قبل النخبة الثقافية الفرنسية، التي تخشى من تحولها إلى منصة لترويج أفكار اليمين المتشدد.

هذه المخاوف تتعلق بتأثير بولوريه، المعروف بخطابه القومي المحافظ، على المحتوى الذي تقدمه الدار، خاصة في مجال التعليم. الجدل حول التاريخ المدرسي يزداد حدة في فرنسا، مع تزايد الضغوط لتضمين وجهات نظر مختلفة حول الأحداث التاريخية المعقدة.

اعتذار الرئيس التنفيذي

تصاعدت الضغوط على “هاشيت” بشكل كبير، مما دفع أرنو لاغاردير، الرئيس التنفيذي للدار، إلى تقديم اعتذار شخصي نادر. وصف لاغاردير ما حدث بأنه “خطأ جسيم”، وأكد على التزام الدار بتقديم محتوى تعليمي دقيق وموضوعي. هذا الاعتذار جاء في محاولة لاحتواء الأزمة، واستعادة ثقة الجمهور والنخبة الثقافية.

غياب سردية الضحايا الفلسطينيين

في خضم الجدل الدائر حول مصطلح “مستوطن”، لاحظ الكثيرون غياباً ملحوظاً للإشارة إلى ضحايا الجانب الفلسطيني. ففي حين ضجت المنصات الفرنسية بالحديث عن الضحايا الإسرائيليين، لم يحظُ أكثر من 70 ألف شهيد فلسطيني، وفقاً لبيانات أولية تعتبرها الأمم المتحدة “موثوقة”، بنفس القدر من الاهتمام أو التعاطف في النقاش الرسمي والثقافي الفرنسي.

هذا الانتقاء في “الغضب الأخلاقي” يسلط الضوء على فجوة في المناهج الدراسية الفرنسية، التي تواجه صعوبة في تحقيق التوازن بين السرديات التاريخية المتنافسة. غالباً ما يتم تهميش السياقات الإنسانية للفلسطينيين في السردية الفرنسية، لصالح تثبيت المصطلحات السياسية التي تتوافق مع توجهات الإليزيه. هذا الأمر يثير تساؤلات حول الحياد والموضوعية في التعليم الفرنسي.

مستقبل تناول الصراع في المناهج الدراسية

تُظهر أزمة “هاشيت” الحاجة الماسة إلى إعادة النظر في كيفية تناول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في المناهج الدراسية الفرنسية. يجب أن تسعى المناهج إلى تقديم سردية متوازنة، تأخذ في الاعتبار وجهات نظر جميع الأطراف، وتعترف بمعاناة جميع الضحايا.

إن تجاهل أو تهميش أي من السرديات، سواء كانت إسرائيلية أو فلسطينية، يؤدي إلى تشويه التاريخ المدرسي وتعميق الانقسامات. بالإضافة إلى ذلك، يجب على المؤسسات التعليمية الفرنسية أن تكون أكثر وعياً بالتأثير المحتمل للمصطلحات المستخدمة، وأن تتجنب استخدام أي تعبير قد يُفسر على أنه تحيز أو نزع للشرعية عن أي من الأطراف. النقاش حول التعليم الفرنسي وضرورة تحديثه ليواكب التطورات السياسية والثقافية أصبح أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

في الختام، أزمة “هاشيت” ليست مجرد حادثة عابرة، بل هي مؤشر على صراع أيديولوجي أعمق حول التاريخ المدرسي في فرنسا. يتطلب حل هذه الأزمة حواراً مفتوحاً وصادقاً، وإرادة سياسية لتقديم تعليم أكثر عدلاً وتوازناً، يعكس تعقيدات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بكل أبعاده الإنسانية والسياسية. ندعو القراء للمشاركة في هذا النقاش الهام، والتعبير عن آرائهم حول كيفية تحسين جودة التعليم في فرنسا.

شاركها.
اترك تعليقاً