إثر إغلاق دام لأكثر من عامين، يشهد المتحف القومي السوداني بالخرطوم إعادة إحياء فريدة من نوعها، تحول دونت أوديته بسبب الحرب الدائرة في البلاد. فبدلاً عن إعادة الفتح الفعلي، اختار المتحف مسارًا مبتكرًا: إطلاق نسخة افتراضية شاملة، بعد خسارة فادحة تعرضت لها مجموعاته الأثرية الثمينة نتيجة للدمار والنهب الذي أعقب الأحداث المأساوية في السودان منذ أبريل/نيسان 2023. هذه الخطوة، المدعومة دوليًا، ليست مجرد حل مؤقت، بل هي محاولة جادة للحفاظ على التراث السوداني الغني وتعريفه بالعالم.
حجم الخسائر في المتحف القومي السوداني
كان المتحف القومي السوداني، الذي تأسس في خمسينيات القرن الماضي، بمثابة المستودع الرئيسي لأكثر من 100 ألف قطعة أثرية تعكس تاريخ السودان العريق. ومع ذلك، لم ينجُ من سطوة اللصوص إلا القليل النادر، تلك العناصر الضخمة التي تعذر نقلها بسهولة. تمثال الفرعون الأسود “تهارقا” المهيب، الذي ظل شامخًا في فناء المتحف لعقود، يقف الآن وحيدًا، شاهدًا صامتًا على الخراب الذي حل بالمعروضات المحيطة به.
الجداريات الأثرية التي نُقلت إبان بناء السد العالي في أسوان بقيت في مكانها، لكنها تحيط بها بقايا التماثيل المحطمة وزجاج الصناديق المعرضة للكسر. الفاجعة الأكبر كانت فيما يُعرف بـ “غرفة الذهب”، التي احتوت على كنوز ذهبية خالصة يعود تاريخ بعضها إلى 8 آلاف عام، والتي اختفت بالكامل.
جهود استعادة الآثار المنهوبة
تواجه لجنة استعادة الآثار المنهوبة مهمة شاقة، خاصة مع تقارير تشير إلى أن الكثير من القطع الأثرية المسروقة نُقلت إلى إقليم دارفور. صور الأقمار الصناعية كشفت عن شاحنات محملة بالكنوز وهي تغادر المتحف، لكن جهود التعاون مع “الإنتربول” لم تحقق حتى الآن سوى تقدم محدود.
إخلاص عبد اللطيف، رئيسة اللجنة، صرحت بأن “الخيار الافتراضي كان الوحيد الممكن” في ظل الظروف الراهنة، في إشارة إلى صعوبة تأمين المتحف وإعادة ترميمه بشكل كامل. الحكومة السودانية تتهم قوات الدعم السريع بشكل مباشر بتدمير الآثار، واعتبرت ذلك “جريمة حرب”، وهو اتهام تنفيه القوات المعنية.
المتحف الافتراضي: نافذة على حضارة كوش
بتمويل ودعم من مؤسسات دولية مرموقة، مثل متحف اللوفر الفرنسي وجامعة دورم البريطانية، انطلقت عملية رقمنة المجموعات الأثرية السودانية. هذا الجهد أثمر عن إطلاق “المتحف الافتراضي للسودان” في الأول من يناير/كانون الثاني، والذي يتيح للجمهور من جميع أنحاء العالم استكشاف هذه الكنوز الثقافية عبر الإنترنت.
كيف تم بناء المتحف الافتراضي؟
عملت الباحثون وعلماء الآثار لأكثر من عام على إعادة تجميع المحتوى المفقود، مستندين إلى قوائم رسمية غير كاملة، ودراسات أكاديمية منشورة، وصور فوتوغرافية قديمة. المصمم الغرافيكي مارسيل بيري، ساهم بخبرته في إعادة إحياء أجواء المتحف من خلال تصميمات ثلاثية الأبعاد دقيقة تعكس الهندسة المعمارية وتأثيرات الإضاءة وترتيب المعروضات.
هذا المتحف الافتراضي لا يقتصر على عرض صور للقطع الأثرية المتبقية، بل يسعى إلى إعادة خلق تجربة زيارة حقيقية، حيث يمكن للمستخدمين التجول في قاعات المتحف الافتراضية واستكشاف المعروضات من زوايا مختلفة. في المراحل المستقبلية، سيضم المتحف الافتراضي أكثر من ألف قطعة أثرية من موروث الممالك الكوشية القديمة، بما في ذلك كنوز “الغرفة الذهبية” التي نُهبت.
الأهمية الثقافية والجهود الدولية للحفاظ على التراث السوداني
يُعتبر المتحف القومي السوداني حجر الزاوية في الحفاظ على التراث السوداني الممتد لآلاف السنين. الأضرار التي لحقت به تمثل خسارة فادحة للإنسانية جمعاء. فايزة دريسي، عضوة الوحدة الفرنسية الدائمة للآثار في السودان، شددت على أهمية الصيغة الافتراضية في الحفاظ على ذاكرة السودان الثقافية وإعادة بناء المجموعات المفقودة.
لقد أطلقت منظمة اليونسكو نداءً عالميًا لإنقاذ التراث السوداني، داعية إلى الامتناع عن الاتجار بالقطع الأثرية المسروقة. هذه الجهود الدولية تعكس الوعي بأهمية حماية هذا التراث الثمين للأجيال القادمة. فالحفاظ على التراث السوداني ليس مجرد مسؤولية وطنية، بل هو واجب إنساني.
في الختام، على الرغم من الظروف الصعبة التي يمر بها السودان، فإن إطلاق المتحف القومي السوداني بصيغته الافتراضية يمثل بصيص أمل وعلامة على الإصرار على حماية الهوية الثقافية للبلاد. ندعو الجميع إلى زيارة المتحف الافتراضي، ودعم جهود استعادة الآثار المنهوبة، والمساهمة في الحفاظ على هذا الإرث العظيم. يمكنكم الوصول إلى المتحف الافتراضي عبر الرابط [أدخل رابط الموقع هنا].















