في خضم مشاهد الإبادة والدمار التي باتت للأسف جزءًا من المشهد اليومي القادم من قطاع غزة، يبرز فيلم “ضايل عنا عرض” للمخرجتين المصرية مي سعد والفلسطيني أحمد الدنف كتوثيق فريد ومختلف، يركز على جانب إنساني قلّما نراه في التغطيات الإعلامية: إصرار فريق “سيرك غزة الحر” على إدخال البهجة إلى قلوب الأطفال، ومواصلة عروضهم رغم كل الظروف. هذا الفيلم، الذي يمثل فيلم غزة استثنائياً، لم يلقَ نجاحًا فنيًا فحسب، بل حصد أيضًا تقديرًا دوليًا واسعًا، مؤكدًا على قوة السينما في إيصال أصوات مهمشة وروايات تستحق أن تُروى.

“ضايل عنا عرض”: مقاومة بالفرح في وجه الإبادة

واصل الفيلم حصد الجوائز المرموقة، بدءًا من جائزة الجمهور “يوسف شريف رزق الله” في مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الـ46، مرورًا بجائزتي الجمهور وأفضل إنتاج في مهرجان روما الدولي للأفلام الوثائقية. هذه الجوائز لم تكن مجرد تكريم للإخراج المتقن، بل كانت اعترافًا بالقيمة الإنسانية العميقة التي يحملها الفيلم، وطريقته المميزة في تقديم هذه التجربة المؤلمة.

المخرجة المصرية مي سعد، التي تخوض تجربتها الأولى في عالم الإخراج، اختارت غزة لتكون نقطة انطلاقها. وقد أوضحت أن الفكرة تبلورت مع بداية حرب “طوفان الأقصى”، حين شعرت بالعجز أمام حجم المأساة، خاصة بعد زيارتها السابقة للقطاع. لم يكن هدفها تقديم مشاهد مأساوية مكررة، بل البحث عن بصيص أمل، عن شكل مختلف من المقاومة الفلسطينية، يتجسد في إصرار هؤلاء الفنانين على الحياة.

من الصوت إلى الصورة: ولادة فكرة الفيلم

بدأت الفكرة كمشروع توثيقي صوتي، يعتمد على جمع شهادات سكان غزة عبر تسجيلات صوتية. ولكن، اقتراحًا من أحد الأصدقاء، تحول المشروع إلى عمل بصري، وهو ما وجد صداه لدى مي، خاصة بعد مشاهدتها لمقاطع فيديو لفريق “سيرك غزة الحر”. هنا، أدركت أن القصة تستحق أن تُروى بصريًا، وأن أعضاء الفريق يمتلكون قدرة استثنائية على الاستمرار والتحدي.

تقول مي سعد في حديثها لـ “الجزيرة نت” إنها رأت في أعضاء السيرك “شكلًا من أشكال المقاومة”. وتضيف: “أن تنهض كل يوم وسط هذا الدمار، وفيما هناك من يسعى إلى محوك، ثم تعلن رغم كل شيء أنك موجود، فهذا أقصى درجات التحدي”. هذا المشهد، الذي يمثل إصرارًا على الوجود، كان هو الدافع الرئيسي لإنتاج الفيلم.

تحديات التصوير في قلب غزة المحاصرة

لم يكن العثور على مصور داخل غزة مهمة سهلة. كانت مي تبحث عن شخص يشاركها رؤيتها، ويفهم حساسيتها تجاه هذه القصة. وهنا، ظهر اسم المصور الفلسطيني أحمد الدنف، الذي شاركها الإخراج ورحب بالمشروع. وبمساندة المصورين يوسف ومحمود المشهراوي، بدأ فريق العمل في تنفيذ العمل الميداني.

التواصل مع فريق “سيرك غزة الحر” كان الخطوة التالية. وبعد الحصول على أرقامهم، أبدوا استعدادهم الكامل للتعاون وتوثيق يومياتهم. كما قدمت شركة الإنتاج “ريد ستار” دعمًا كبيرًا للمشروع، وعمل الجميع بشكل تطوعي، دون أي مقابل مادي.

التصوير في غزة أثناء الحرب لم يكن بالأمر الهين. كانت هناك تحديات جمة، أبرزها ضعف الإنترنت الذي أدى إلى تأخر تبادل الملفات لأسابيع. كما أن غياب الإضاءة أجبرهم على استخدام كشافات الهواتف المحمولة في بعض المشاهد، مثل مشهد تقطيع البطاطس. يصف الدنف عملية التصوير بأنها “مغامرة غير مأمونة العواقب”، نظرًا للتنقل المستمر مع الفريق في ظل القصف المستمر. كما فقد جزءًا كبيرًا من معداته الأساسية بعد قصف منزله، لكنه واصل التصوير بما تبقى لديه من أدوات بسيطة. رفع المواد المصورة عبر الإنترنت كان تحديًا آخر، بسبب ضعف الاتصال وانقطاعه المتكرر.

التركيز على الأمل: رؤية فنية واعية

اختارت المخرجة مي سعد أن يركز الفيلم على الجانب الإنساني، وأن يتجنب عرض مشاهد الأشلاء أو الانفجارات المباشرة. وقد أوضحت أن هذه الصور تكررت كثيرًا في النشرات الإخبارية، وأنها فضلت استخدام بدائل تعبيرية، مثل “الصوت مع إظلام الشاشة”، لإعطاء مساحة للتلقي من منظور الأبطال أنفسهم.

ووافقها الرأي أحمد الدنف، مؤكدًا على أن الهدف كان كسر الصورة النمطية التي تختزل أهل غزة في مشاهد الدمار، وإظهارهم كبشر يحبون الحياة ويتمسكون بصناعة الأمل للأطفال. الفيلم يركز على أبطال السيرك الحقيقيين، وعلى لحظات إصرارهم على الاستمرار، ويتجلى ذلك بوضوح في رد يوسف خزرج، مؤسس “سيرك غزة الحر”، على سؤال “هل ستكمل؟” بإجابة قاطعة “سنكمل ما دمنا أحياء”.

رسالة الفيلم: توثيق إنساني ضروري

في الختام، يمثل فيلم “ضايل عنا عرض” إضافة نوعية للسينما العربية والفلسطينية، وشهادة حية على صمود وإصرار أهل غزة. الفيلم لا يقدم مجرد قصة عن سيرك، بل يقدم قصة عن الحياة، عن الأمل، وعن المقاومة بكل أشكالها. مي سعد تؤكد على أهمية تقديم المزيد من الأعمال عن فلسطين، وضرورة وجود سردية وتوثيق بصري لمواجهة محاولات المحو التي تفرضها سردية الاحتلال. الفيلم يدعو المشاهدين إلى التفكير في هذه القضية من منظور إنساني، وإلى تقدير قيمة الحياة في ظل أصعب الظروف. نشجعكم على البحث عن الفيلم ومشاهدته، ومشاركة قصته مع الآخرين، لنساهم جميعًا في إيصال صوت غزة إلى العالم.

شاركها.
اترك تعليقاً