أصبح الرعب في الأدب العربي مجالاً مزدهراً، لكن جذوره تمتد عميقاً إلى فهم الإنسان للطبيعة الأساسية للخوف، كما أوضح هوارد لافكرافت في مقاله الرائد عام 1927. فما هي العوامل التي ساهمت في تطور هذا النوع الأدبي في العالم العربي، وكيف يختلف عن نظيره الغربي؟ هذا ما سنستكشفه في هذا المقال.

جذور الخوف: من لافكرافت إلى الذاكرة العربية

يقول لافكرافت: “أقدم وأقوى عاطفة عرفها الإنسان هي الخوف، وأقدم أنواع الخوف هو الخوف من المجهول.” هذه المقولة تلخص جوهر الرعب النفسي الذي يرتكز على انكسار قوانين الواقع المألوف، وليس على مجرد الوحوش المرئية. هذه النظرية أثرت بشكل كبير على كتاب الرعب في الغرب والعالم العربي على حد سواء.

لكن التحدي الأكبر يكمن في إيجاد البوابة المناسبة لصناعة شخصيات وأحداث مرعبة قادرة على إثارة الخوف الحقيقي في نفس القارئ. فالرعب والإثارة سلاحان ذو حدين، إما أن يصيبا الهدف بدقة أو يضيع تأثيرهما. وفي العالم العربي، يواجه كاتب الرعب تحدياً فريداً، فهو يستهدف جمهوراً ذا خبرة في الرعب الحقيقي، رعب الحروب والمجازر والظلم.

الخرافة والجن: نواة الرعب العربي

لطالما ارتبطت الخرافات العربية بحكايات الجن، تلك الكائنات الخارقة التي تملك القدرة على إفتعال الشر. تتبع تاريخ الرعب في الأدب العربي ليس بالأمر السهل، خاصة في الفترات المبكرة من الإسلام حيث كان التاريخ شفهياً في الغالب. ومع ذلك، يمكن العثور على حكايات الجن والغيلان في كتب السيرة والتاريخ الأولى، مما يشير إلى وجود جذور عميقة لهذه المخلوقات في الذاكرة العربية.

تعود أصل كلمة “خرافة” إلى اسم رجل، كما ورد في كتاب “الجليس الصالح”. فخرافة كان رجلاً أسره الجن وأعادوه إلى الإنس بعد فترة طويلة، فبدأ يقص حكايات عن عالمهم الغريب. هذه الحكايات المنقولة عن الجن تمثل نواة أدب الرعب العربي، حتى وإن لم تحمل المفهوم الحديث لهذا الصنف الأدبي.

الجن في الأدب والتراث

يقول الكاتب محمد عبد العليم في كتابه “تاريخ الرعب العربي” أن الأدباء العرب، وخاصة المصريين، يقتبسون كثيراً من الأفكار الغربية، لكن التراث العربي غني بثيمات الرعب المخيفة التي يمكن أن تشكل نقلة نوعية في هذا المجال. فالعرب القدماء كانوا ينسجون صوراً متخيلة للجن والغول، ويضخمون حضورهم بألوان من الخوارق.

تؤكد الباحثة نهاد توفيق نعمة في بحثها “الجن في الأدب العربي” أن تصرفات الجن في الحكايات تشبه تصرفات الإنس، فهم يحبون ويكرهون، وينتقمون ويعطفون، ويسعون لتحقيق مآربهم. وكأنهم مسخرون للأبطال من الإنس، يخلقون الأزمات ويقودونهم إلى تحمل عواقبها.

أحمد خالد توفيق: رائد الرعب العربي الحديث

على الرغم من وجود جذور تاريخية للرعب في الأدب العربي، إلا أنه لم يظهر تيار أدبي كامل ومستقل حتى أواخر القرن الماضي. وهنا يبرز اسم الروائي المصري أحمد خالد توفيق، الذي يعتبر مؤسس هذا الجنس الأدبي في الرواية العربية الحديثة.

بدأ توفيق سلسلة روايات الرعب “ما وراء الطبيعة” عام 1993، وقدم شخصية الطبيب رفعت إسماعيل، الذي يعارض الخرافات ولكنه يجد نفسه في مواجهة معها. لقد نجح توفيق في تحويل فكرة الليل من زمن للسمر إلى زمن للغموض والخوف والموت، مما أثر بشكل كبير على تصور القارئ العربي للرعب.

الليل كشخصية: تحول في الوعي الجمعي

لم يقتصر دور الجن والشياطين في روايات توفيق على كونهم أبطالاً للرعب، بل أضفى على الليل دوراً محورياً. فغموض الليل وسكونه وسواده يوفران بيئة مناسبة للأحداث المرعبة. يقول الباحث غالب كاظم العلوي أن توفيق استغل خصائص الليل لخلق نوع جديد من الأدب، وهو أدب الرعب.

التأثير الغربي والاستنساخ الإبداعي

يمثل الموروث الثقافي العربي والإسلامي مشتل قصص الرعب للرواة العرب، لكن ظلال أدب الرعب الغربي واضحة في العديد من الروايات العربية. فالرعب يتأصل في وجدان الإنسان في تشابك معقد مع الموروث الثقافي والديني والتطور العلمي.

يشير الباحثان هايانغ يانغ وكوانغجي تشانغ إلى أن أحد أسباب إقبالنا على أفلام الرعب هو الرغبة في التحفيز، فالتعرض لأحداث مرعبة يحفزنا ذهنياً وجسدياً بطرق متناقضة.

القوطية والخيال العلمي: مزيج الرعب العربي

تأثر مؤلفو روايات الرعب العربية بالعنصر الجديد في قصصهم، وهو الخيال العلمي، ودمجوه حتى أصبح جزءاً أساسياً في صناعة الرعب. وقد واجه هذا التوجه بعض الانتقادات من النقاد العرب الذين نظروا إلى الخيال العلمي كأدب ملعون.

لكن أحمد خالد توفيق وغيره من الكتاب العرب نجحوا في دمج عناصر الرعب الغربية، مثل شخصيات مصاصي الدماء والمومياء، في سياق عربي أصيل.

مستقبل الرعب في الأدب العربي

أصبح أدب الرعب العربي خلال الثلاثين عاماً الماضية حاضراً بقوة على رفوف المكتبات العربية. هذا الإقبال اللافت يثير تساؤلات حول الآثار النفسية التي قد يولدها هذا النوع الأدبي. فهل يظل مجرد محفز للأدرينالين، أم أنه أدب يترك بصمات نفسية سلبية على القارئ العربي؟

في الختام، يمكن القول أن الرعب في الأدب العربي يمثل مزيجاً فريداً من التراث المحلي والتأثيرات الغربية. وبينما يستمر هذا النوع الأدبي في التطور والازدهار، فإنه يظل مرتبطاً بجذور الخوف الإنساني التي وصفها لافكرافت منذ عقود. ويبقى السؤال مفتوحاً حول مستقبل هذا النوع الأدبي وتأثيره على القارئ العربي.

شاركها.
اترك تعليقاً