منذ أن صدح صوت القارئ المصري الشيخ محمد رفعت، مع أولى موجات أثير الإذاعة المصرية عام 1934، بآيات الذكر الحكيم من سورة “الفاتحة”، كان الأمر بمثابة اعتراف رسمي بأن تلاوة القرآن الكريم ليس فقط عبادة إيمانية، بل هو فن أصيل يستحق الرعاية والنشر. هذا الفن، الذي تطور عبر الأجيال، أصبح جزءًا لا يتجزأ من الهوية الثقافية والدينية لمصر والعالم الإسلامي. تاريخ تلاوة القرآن الكريم في مصر حافل بالشخصيات والأحداث التي ساهمت في تشكيل هذه المدرسة الفريدة.

نشأة مدرسة التلاوة المصرية وتطورها

لم تكن تلاوة القرآن الكريم في مصر مقتصرة على المساجد والاحتفالات الدينية قبل الإذاعة. فقد كان القراء يترنمون بالآيات في المجالس الخاصة، ويطربون المستمعين بأصواتهم العذبة. لكن الإذاعة أحدثت نقلة نوعية، حيث فتحت أبوابًا واسعة لنشر التلاوات الصحيحة والمجوّدة إلى أوسع نطاق ممكن.

كانت الإذاعة المصرية حريصة على اختيار أفضل القراء، ووضعت معايير صارمة للقبول. لم يكن الأمر يتعلق فقط بإتقان أحكام التجويد والحفظ، بل أيضًا بجمال الصوت والقدرة على التحكم في المقامات الموسيقية. لجنة القبول، التي ضمت شخصيات بارزة مثل الشاعر محمود حسن إسماعيل والملحن محمد حسن الشجاعي، كانت بمثابة مدرسة حقيقية، تصقل المواهب وتخرج القراء المتميزين.

قواعد التلاوة المصرية: مقامات فريدة

مع مرور الوقت، بدأت تتبلور ملامح مدرسة التلاوة المصرية، وتم وضع قواعد شبه راسخة للتعامل مع المقامات الموسيقية. أصبح الاستهلال بمقام البياتي هو القاعدة الأساسية، يليه الصبا أو الحجاز، ثم النهاوند، والراست، والسيكاه، والعجم، والجهاركاه، قبل العودة إلى البياتي للختام. هذا الترتيب لم يكن جامدًا، بل كان يسمح ببعض المرونة، ولكن الثابت دائمًا هو البدء بمقام البياتي، والانتقال التدريجي من النغمات الهادئة إلى القوية.

الشيخ مصطفى إسماعيل، في أربعينيات القرن الماضي، لعب دورًا حاسمًا في ترسيخ هذا الترتيب، وأضاف إليه قاعدة “إشباع المقام”، أي الوصول إلى ذروته قبل الانتقال إلى مقام آخر. هذه القاعدة ساهمت في جعل التلاوة المصرية مدرسة متماسكة، ذات بناء فني متين. فن التلاوة بهذا أصبح له هوية مميزة.

مشروع “المصحف المعلم” والانتشار العالمي

في نهاية الخمسينيات، بدأ الدكتور لبيب السعيد في التفكير بمشروع “الجمع الصوتي للقرآن الكريم”، الذي اعتبره مشروع حياته. كان يعتقد أن أفضل طريقة لنقل القرآن الكريم عبر الأجيال هي من خلال الرواية الشفهية، ولكن مع صعوبة ذلك في العصر الحديث، رأى أن التسجيل الصوتي هو الحل الأمثل.

جاء الشيخ محمود خليل الحصري ليجسد هذا المشروع على أرض الواقع. بين عامي 1961 و1968، سجّل الحصري المصحف المرتل بروايات متعددة، ليصبح أول مصحف صوتي كامل في التاريخ. هذا المصحف، المعروف بـ “المصحف المعلم”، انتشر في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وأصبح مرجعًا أساسيًا للمتعلمين والقراء والمستمعين. تأثر به العديد من القراء في دول مثل السنغال وإيران وإندونيسيا، وأصبح نموذجًا يحتذى به في تجويد القرآن الكريم.

مسابقات القرآن الكريم وإحياء فن التلاوة

مع انتشار المصحف الصوتي في الستينيات، بدأت تظهر أولى المسابقات الدولية لحفظ القرآن الكريم. كانت هذه المسابقات بمثابة منصة لإبراز المواهب الشابة، وتشجيعهم على حفظ وتجويد القرآن الكريم. ماليزيا كانت من أوائل الدول التي نظمت هذه المسابقات، تبعتها إندونيسيا والمملكة العربية السعودية وإيران ومصر ودبي.

على الرغم من أن التركيز الأكبر في هذه المسابقات كان على الحفظ والتفسير، إلا أن التلاوة كانت جزءًا لا يتجزأ منها. ومع ظهور الفضائيات، تطورت هذه المسابقات، وأصبحت أكثر احترافية وجاذبية. برامج مثل “تيجان النور” و”كتارا” في قطر، و”دولة التلاوة” في مصر، ساهمت في إحياء فن التلاوة، وتقديم جيل جديد من القراء المتميزين.

“دولة التلاوة”: برنامج مصري يركز على المقامات

برنامج “دولة التلاوة” المصري، الذي بدأ عرضه في نوفمبر الماضي، يمثل إضافة نوعية لمسابقات القرآن الكريم. البرنامج يركز بشكل خاص على علم المقامات، ومدى تمكن القراء المتسابقين من إتقانها. لجنة التحكيم، التي تضم خبراء في الأصوات والمقامات وأحكام التجويد، تقيّم المتسابقين بناءً على معايير صارمة.

البرنامج حقق نجاحًا كبيرًا، ونسب مشاهدة عالية. متسابقوه أصبحوا نجومًا على وسائل التواصل الاجتماعي، وتلاواتهم تنتشر بسرعة بين محبي القرآن الكريم. على الرغم من بعض الانتقادات المتعلقة بمشاركة متسابقين من أعمار مختلفة، إلا أن البرنامج يمثل خطوة مهمة في إحياء المدرسة المصرية الأصيلة في التلاوة.

في الختام، يمكن القول أن تلاوة القرآن الكريم في مصر قد مرت بمراحل تطور عديدة، بدءًا من التلاوات التقليدية في المساجد، وصولًا إلى التسجيلات الاحترافية والبرامج التلفزيونية الحديثة. ولكن الشيء الثابت هو العشق والتقدير الذي يحظى به هذا الفن من قبل الشعب المصري والعالم الإسلامي. نتمنى أن يستمر هذا الفن في الازدهار، وأن يخرج المزيد من القراء المتميزين الذين يضيئون سماء التلاوة بأصواتهم العذبة.

شاركها.
اترك تعليقاً