في بداية العام الجديد، تصاعدت الدعوات إلى استبعاد إسرائيل من بينالي فينيسيا 2026، لتتحول من احتجاجات محدودة خلال دورة 2024 إلى حملة ثقافية دولية واسعة النطاق. هذا الجدل يضع المؤسسة الفنية العريقة في مواجهة مباشرة مع قضايا سياسية وأخلاقية معقدة، ويطرح تساؤلات حول دور الفن في زمن الحرب والمسؤولية الاجتماعية للفنانين والمؤسسات الثقافية. يركز هذا المقال على تطورات هذه القضية، الأسباب الكامنة وراءها، والتداعيات المحتملة على مستقبل بينالي فينيسيا.
تصاعد المطالبات باستبعاد إسرائيل من بينالي فينيسيا
بدأت الشرارة مع افتتاح الدورة الستين لبينالي البندقية في أبريل 2024، حيث تزامن الحدث مع احتجاجات واسعة النطاق بسبب الحرب في غزة. رفضت الفنانة الإسرائيلية روث باتير، المكلفة بتمثيل إسرائيل، افتتاح جناحها حتى التوصل إلى وقف إطلاق النار والإفراج عن الرهائن، مما حول العرض الثقافي المخطط له إلى موقف سياسي واضح. هذا القرار، بالإضافة إلى الصور المروعة القادمة من غزة، أثار غضبًا واسعًا بين الفنانين والناشطين والحقوقيين حول العالم.
“تحالف الفن لا الإبادة الجماعية” يقود الحملة
تأسس “تحالف الفن لا الإبادة الجماعية” (Art Not Genocide Alliance – ANGA) كشبكة فنية وحقوقية منظمة، وقام بتفعيل حملات رقمية وميدانية تطالب إدارة البينالي بمراجعة قرار قبول مشاركة إسرائيل. وقد جمعت العريضة الإلكترونية التي أطلقها التحالف أكثر من 12,500 توقيع من فنانين وقيمين فنيين وعاملين في المجال الثقافي، معتبرين أن أي تمثيل رسمي لإسرائيل في البينالي هو دعم ضمني للعنف ضد المدنيين في غزة.
الأساس القانوني والأخلاقي للمطالبات
استندت مطالبة ANGA إلى حكم مؤقت صادر عن محكمة العدل الدولية بشأن سلوك إسرائيل في غزة، مؤكدة أن حياد المؤسسات الفنية ليس كافيًا في مواجهة المعاناة الإنسانية. يرى المؤيدون أن مشاركة إسرائيل تمنح “غطاءً ثقافيًا” لدولة متهمة بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وهو ما يتعارض مع القيم التي يعلنها البينالي حول الحوار الإنساني وحرية التعبير. كما أنهم يؤكدون أنهم لا يستهدفون الفنانين الإسرائيليين كأفراد، بل الصيغة الوطنية الرسمية للمشاركة.
ردود الفعل الرسمية وتصاعد الجدل
تمسكت إدارة بينالي فينيسيا بموقفها التقليدي، مؤكدة أنها “ليست جهة سياسية” ولا تملك صلاحية استبعاد الدول المشاركة. وأشارت إلى أن مسؤولية اختيار الفنانين ومواقع العرض تقع على عاتق الجهات الوطنية. لكن هذا الرد لم يهدئ الجدل، بل زاد من حدته، خاصة مع تسريب معلومات عن نقل الجناح الإسرائيلي من موقعه التاريخي في “جيارديني” إلى “أرسينال” بسبب أعمال ترميم. اعتبر معارضو المشاركة هذا النقل بمثابة “تراجع رمزي” تحت الضغط، حتى وإن تم تقديمه كإجراء تقني.
الاحتجاجات تتوسع عالميًا وتؤثر على المشهد الثقافي
لم تقتصر الاحتجاجات على إيطاليا، بل امتدت إلى مدن ثقافية كبرى مثل برلين وباريس ولندن ونيويورك، حيث نظمت وقفات رمزية أمام المؤسسات الفنية المرتبطة بالبينالي. كما عبر فنانون وأكاديميون عن شعورهم بعدم الترحيب أو الاستهداف بسبب جنسيتهم أو سياسات حكوماتهم، مما يشير إلى أن تداعيات الحرب على غزة أصبحت عالمية النطاق. في المقابل، أعرب الفنانون الإسرائيليون عن شعورهم بالاغتراب، مؤكدين أن أعمالهم وهويتهم الإبداعية تُشَوَّه ظلمًا بسبب العمليات العسكرية لحكومتهم. الفن والثقافة أصبحا ساحة صراع جديدة.
مستقبل المشاركة الإسرائيلية في بينالي فينيسيا 2026
مع اقتراب موعد افتتاح الدورة الحادية والستين من بينالي فينيسيا في مايو 2026، هدد نشطاء ANGA وحلفاؤهم بمقاطعة الحدث ما لم يتم استبعاد إسرائيل بشكل كامل. ويواصل التحالف التأكيد على أن دعوة إسرائيل للمشاركة هي بمثابة “دعوة تواطؤ” مع العنف والدمار في غزة.
التحديات والفرص أمام إدارة البينالي
تواجه إدارة البينالي تحديًا كبيرًا في الموازنة بين مبادئها المعلنة حول حرية التعبير والحوار الثقافي، وبين الضغوط المتزايدة للاستجابة للمطالب الأخلاقية والسياسية. قد يؤدي استمرار رفض الاستجابة لهذه المطالبات إلى مقاطعة واسعة النطاق للحدث، مما يضر بسمعته ومصداقيته. في المقابل، قد يؤدي الاستسلام للضغوط إلى اتهامات بالتحيز السياسي وتقويض مبادئ الحرية الفنية.
الخلاصة
لقد تحول الجدل الدائر حول مشاركة إسرائيل في بينالي فينيسيا إلى قضية مركزية في المشهد الثقافي الدولي، تكشف عن مدى تأثر الفن والفعاليات الثقافية بالأزمات العالمية. إن معاناة غزة لم تعد مجرد خبر عابر، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من النقاشات الثقافية، وتطرح تساؤلات حول دور الفن في التعبير عن الوعي الإنساني، ومسؤولية الفنانين والمؤسسات الثقافية في مواجهة الظلم والعنف. من المؤكد أن مستقبل مشاركة إسرائيل في البينالي سيشكل سابقة مهمة، وستحدد إلى حد كبير مسار العلاقة بين الفن والسياسة في المستقبل. نأمل أن يؤدي هذا الجدل إلى حوار بناء حول هذه القضايا الهامة، وأن يساهم في تعزيز قيم السلام والعدالة والإنسانية.
الكلمات المفتاحية الثانوية: الحرب على غزة، المسؤولية الثقافية، الاحتجاجات الفنية.


