في خضم صخب الحياة اليومية وضغوطها، قد يبدو البحث عن لحظات من التأمل والإلهام أمرًا صعب المنال. لكن، هل يمكن لبعض الأبيات الشعرية أن تُهوّن عناء الرحلات اليومية؟ هذا السؤال هو الذي انطلق منه مشروع “قصائد تحت الأرض” (Poems on the Underground) في لندن، والذي يحتفل هذا العام بذكرى انطلاقه الأربعين. هذا المشروع الفريد، الذي يهدف إلى إثراء تجربة الركاب في مترو لندن، أصبح نموذجًا عالميًا استلهمته مدن عديدة حول العالم.
فكرة بسيطة.. تأثير عميق: نشأة مشروع “قصائد تحت الأرض”
بدأت القصة في الثمانينيات، حين لاحظت الكاتبة الأمريكية جوديث شيرنايك، المقيمة في لندن، التباين بين تجربة استخدام المترو في نيويورك ولندن. فبينما كانت رحلات المترو في نيويورك مجرد وسيلة للوصول إلى وجهة ما، وجدت شيرنايك في مترو لندن فرصة للاستمتاع بالتاريخ الثقافي والأدبي الغني للمدينة. إيمانًا منها بأن “الشعر جزء من التراث الروحي لكل لندني”، قررت شيرنايك، بالتعاون مع صديقيها الشاعرين جيرارد بنسون وسيسلي هيربرت، إضفاء لمسة أدبية على رحلات الركاب.
في يناير/كانون الثاني 1986، ظهرت أولى القصائد على ملصقات داخل عربات المترو، لتتحول الرحلة اليومية إلى فرصة للاستمتاع بأعمال عظماء الأدب مثل ويليام شكسبير وروبرت بيرنز وويليام بتلر ييتس. لم تكن هذه مجرد مبادرة عابرة، بل كانت بداية لمشروع ثقافي أثبت نجاحه واستمراريته على مدار أربعة عقود.
من الكلاسيكيات إلى المعاصر: تنوع اختيارات الشعر
لم يقتصر مشروع الشعر في المترو على الأعمال الكلاسيكية فحسب، بل اتسع ليشمل شعراء من مختلف أنحاء العالم ومن مختلف العصور. فإلى جانب قصائد شكسبير الشهيرة، يمكن للركاب أن يجدوا أعمالاً لعمالقة مثل بابلو نيرودا وولي سوينكا وديريك والكوت وآنا أخماتوفا.
تتغير المختارات الشعرية ثلاث مرات سنويًا، وتجمع بين السوناتات والهايكو وقصائد الحب والمأساة، وحتى تلك التي تعكس معاناة الركاب اليومية، مثل قصيدة “الازدحام” للشاعرة الهنغارية كاتالين زلوفيني. تضم لجنة الاختيار، التي لا تزال شيرنايك عضواً فيها، نخبة من الشعراء والنقاد الذين يحرصون على تقديم مزيج متنوع ومناسب لجميع الأذواق.
الشعر المعاصر يجد مكانه
يعكس اختيار الشعر المعاصر في المشروع التزامًا بتجديد التجربة الأدبية وربطها بواقع الركاب. الشاعر نيك ماكوه، الذي عُرضت قصيدته “بي أو إم” في المترو عام 2020، يرى أن البرنامج “يسحب الشعر إلى قلب العالم الواقعي”، مؤكدًا أن الشعر “ينتمي للمجتمع، ويجب أن يكون جزءاً من حياتنا اليومية”.
“قصائد تحت الأرض”: أكثر من مجرد مشروع ثقافي
لم يقتصر تأثير مشروع الشعر في وسائل النقل على إثراء تجربة الركاب في مترو لندن، بل تحول إلى ركيزة ثقافية أنتجت عدة كتب وألهمت مشاريع مماثلة في مدن أخرى حول العالم، مثل نيويورك ودبلن وأوسلو وشنغهاي.
وتؤكد آن غافاغان، المشرفة على المشاريع الثقافية في هيئة النقل بلندن، أن سر النجاح يكمن في منح المسافرين شيئًا “ينتزعهم من رتابة الرحلة”، مشيرة إلى أن رؤية قصيدة مؤثرة قد تجعل يوم الركاب أفضل، وتثير لديه التفكير أو التعاطف.
إرث مستمر: مستقبل “قصائد تحت الأرض”
بعد أربعة عقود من الانطلاق، لا يزال مشروع “قصائد تحت الأرض” يحافظ على شعبيته وتأثيره. ففي عالم يزداد فيه الانشغال والضغوط، يمثل هذا المشروع فرصة فريدة للتوقف لحظة والتأمل في جمال اللغة وقوة الشعر. إن دمج الأدب في الحياة اليومية ليس مجرد مبادرة ثقافية، بل هو استثمار في الروح الإنسانية، وتذكير دائم بأن الفن يمكن أن يكون في متناول الجميع، حتى في أكثر الأماكن غير المتوقعة.
إن نجاح هذا المشروع يشجع على التفكير في طرق مبتكرة لإدماج الفنون والثقافة في حياتنا اليومية، وخلق مساحات للتأمل والإلهام في خضم صخب الحياة العصرية. فهل يمكن لمدن عربية أن تستلهم هذا النموذج وتطلق مشاريع مماثلة لإثراء تجربة مستخدمي وسائل النقل العام؟ هذا سؤال يستحق التفكير.















