في عالم يزداد اضطرابا يوما بعد يوم، يعود مهرجان سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية في دورته الثامنة والعشرين ليطرح سؤالا أكبر من السينما نفسها: ما قيمة الذاكرة في زمن الحروب والقلق العالمي؟ يقام المهرجان هذا العام في ظل أجواء دولية متوترة، لكنه يؤكد على أهمية الفيلم الوثائقي كأداة لحفظ الحقيقة ومقاومة النسيان، خاصة في ظل تصاعد النزاعات العالمية.
الذاكرة في زمن الأزمات: رسالة مهرجان سالونيك
وسط حالة عدم اليقين التي تخيم على العالم، يبرز مهرجان سالونيك للأفلام الوثائقية كمنصة حيوية للتأمل في دور الذاكرة في تشكيل فهمنا للحاضر والمستقبل. لا يقتصر دور الأفلام الوثائقية على سرد القصص، بل يتعداه إلى إعادة قراءة التاريخ ومنح الأحداث صوتاً قد يضيع في صخب الأخبار المتلاحقة. في هذا السياق، يصبح الفن الوثائقي ليس مجرد ترفيه ثقافي، بل ضرورة ملحة لحماية الحقيقة ومواجهة محاولات طمسها.
الأرشيف بطل الحكاية: الغوص في أعماق الماضي
تعتبر فكرة الغوص في عالم الأرشيف والذاكرة من أبرز ما يميز الدورة الحالية للمهرجان. فالصور القديمة واللقطات المنسية لا تعيد الماضي إلى الحياة فحسب، بل تغير الطريقة التي نفهم بها الحاضر. هذا العام، خصص المهرجان قسماً بعنوان “ذاكرة العالم”، مستلهماً فيلم آلان رينيه الشهير “كل ذاكرة العالم” (1956)، الذي يجسد شغف الإنسان بتوثيق كل شيء، وحدود الذاكرة الإنسانية أمام الزمن.
أفلام تعيد تفسير التاريخ
يعرض قسم “ذاكرة العالم” مجموعة من الأفلام التي أعيد بناؤها من لقطات أرشيفية نادرة، مثل الصور القديمة، ونشرات الأخبار المنسية، والأفلام العائلية، والمواد المهملة. هذه الأفلام لا تحيي الماضي فحسب، بل تعيد تفسيره من زاوية جديدة، وتكشف عن جوانب خفية كانت مغطاة بالضباب.
من أبرز هذه الأعمال:
- “المودة للشعب” للمخرج فاسيليس دوفليس، الذي يكشف تأثير الرقابة خلال فترة الحكم العسكري في اليونان.
- “جنازة الدولة” للمخرج سيرغي لوزنيتسا، الذي يعيد بناء مشهد جنازة ستالين، كاشفاً عن حجم عبادة الشخصية في الاتحاد السوفيتي.
- “ذكريات” للمخرج كمال الجعفري، الذي يستعيد مدينة يافا من خلال لقطات سينمائية قديمة، ليخلق حواراً مؤثراً بين الماضي والحاضر.
- “اختفاءات سعاد حسني الثلاث” للمخرجة رانيا اسطفان، الذي يستعيد حضور النجمة المصرية من خلال مواد أرشيفية، ويطرح أسئلة حول الصورة السينمائية وهوية المرأة العربية.
تكريم صناع الذاكرة: فنانون يحيون الماضي
إلى جانب العروض السينمائية، يكرّم مهرجان سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية هذا العام اثنين من أبرز المخرجين الذين جعلوا من الذاكرة مادة فنية أساسية في أعمالهم. الفنانة اليونانية فوفولا سكورا، التي ستعرض عشرون من أفلامها خلال المهرجان، والفنان الأميركي بيل موريسون، المعروف باستخدامه اللقطات الأرشيفية لإعادة تركيب التاريخ بصرياً. سيتحدث موريسون في ورشة عمل خاصة عن دور الأرشيف في صناعة السينما المعاصرة.
مسابقات المهرجان: نافذة على العالم وخطوة نحو الأوسكار
ينظم مهرجان سالونيك ثلاث مسابقات رئيسية: المسابقة الدولية، ومسابقة المواهب الجديدة، ومسابقة “إلى الأمام”. تتنافس في هذه الأقسام عشرات الأفلام التي تتناول قضايا متنوعة، بدءاً من الذاكرة الشخصية والعائلية، وصولاً إلى الأزمات السياسية والبيئية والتحولات الاجتماعية. يكتسب المهرجان أهمية خاصة لأنه مؤهل لجوائز الأوسكار، حيث يتأهل الفائز بالجائزة الذهبية في المسابقة الدولية تلقائياً للترشح لفئة أفضل فيلم وثائقي طويل.
حضور عربي لافت: أصوات من عالمنا
يشهد المهرجان حضوراً عربياً لافتاً، من خلال أفلام تتناول قضايا تهم المنطقة. من أبرز هذه الأعمال فيلم “طيور الحرب” للمخرجين جنى بولس وعبد القادر حبك، الذي يوثق سنوات الحرب السورية من خلال أرشيف مصور امتد لأكثر من عقد. الفيلم يروي قصة حب تشكلت وسط المسافة والخطر، ويطرح تأملات عميقة حول حدود العمل الصحفي في زمن الحرب. كما يبرز في قسم المواهب الجديدة أعمال شبابية تتناول موضوعات معاصرة مثل الهجرة والهوية والعلاقات في عصر التكنولوجيا.
جولييت بينوش ضيفة شرف: لقاء بين الفن والتوثيق
تستضيف الدورة الحالية من مهرجان سالونيك النجمة الفرنسية جولييت بينوش، التي تقدم أول تجربة إخراجية لها في الفيلم الوثائقي “في الحركة”، الذي يوثق تعاونها الفني مع مصمم الرقصات البريطاني أكرم خان.
في الختام، يظل مهرجان سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية أكثر من مجرد حدث سينمائي. إنه مساحة للتفكير في دور الفيلم الوثائقي، ومنصة مهمة لدعم السينما اليونانية، وفي زمن تتسارع فيه الأحداث ويضيع كثير من التفاصيل، يذكرنا المهرجان بأن الصورة الوثائقية قد تكون أحياناً الوسيلة الأكثر صدقاً لحفظ الذاكرة الإنسانية، وتقديمها للأجيال القادمة. ندعوكم لمتابعة فعاليات المهرجان والتفاعل مع الأفلام والنقاشات التي يطرحها، للمساهمة في بناء فهم أعمق للعالم من حولنا.














