في ظل التحديات الاقتصادية المتزايدة التي تواجهها الأراضي الفلسطينية، يبرز موضوع أموال المقاصة كأحد أكثر القضايا إلحاحًا و تأثيرًا على حياة الفلسطينيين. فالسيطرة الإسرائيلية على هذه الأموال، والتي تمثل الضرائب التي تجمعها نيابة عن السلطة الفلسطينية، تُعتبر نقطة ضعف رئيسية في الاقتصاد الفلسطيني، وتهدد باستمرار قدرته على الصمود. هذه القضية ليست مجرد مسألة مالية، بل هي جزء لا يتجزأ من المشهد السياسي والاقتصادي المعقد الذي تشهده المنطقة.
خطورة التحكم الإسرائيلي بأموال المقاصة على الاقتصاد الفلسطيني
حذر الدكتور نصر عبد الكريم، أستاذ العلوم المالية والاقتصادية في الجامعة العربية الأميركية، من الخطورة البالغة لتحكم إسرائيل بـ أموال المقاصة، واصفًا إياها بأنها “الحلقة الأكثر إيلامًا في منظومة السيطرة الإسرائيلية على الاقتصاد الفلسطيني.” ويرجع هذا التأثير المباشر إلى اعتماد السلطة الفلسطينية بشكل كبير على هذه الأموال في تغطية النفقات الجارية، بما في ذلك رواتب الموظفين، وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، وتسديد الديون المتراكمة.
يُذكر أن أموال المقاصة هي الضرائب التي تفرضها إسرائيل على السلع المستوردة إلى الأراضي الفلسطينية، سواء عبر معابرها أو من خلال مناطق أخرى تسيطر عليها. عادةً، تقوم إسرائيل بجمع هذه الضرائب ثم تحويلها إلى السلطة الفلسطينية، ولكن في السنوات الأخيرة، شهد هذا التحويل تأخيرات مستمرة، بل وصل إلى الحجز الكامل للأموال خلال الأشهر الأخيرة.
تداعيات حجز الأموال على الواقع الفلسطيني
حجز أموال المقاصة، جزئيًا ثم كليًا، أدى إلى شلل مالي واسع النطاق في الأراضي الفلسطينية. تأخر صرف الرواتب للموظفين العموميين، وعجز السلطة عن سداد مستحقات القطاع الخاص، وتعثر تقديم الخدمات الضرورية للمواطنين (مثل الصحة والتعليم) هي من أبرز مظاهر هذه الأزمة.
بالإضافة إلى ذلك، ساهمت هذه السياسات في تفاقم أزمة الدين العام الفلسطيني، الذي بلغ حوالي 46 مليار شيكل. هذا الارتفاع في الديون زاد من الأعباء الاقتصادية على عاتق الموظفين وأسرهم، وأدخل القطاع الخاص في أزمة سيولة حادة نتيجة لعدم وفاء الحكومة بالتزاماتها المالية في مواعيدها المحددة. وهنا تظهر أهمية التنمية الاقتصادية كأحد الحلول المقترحة لتقليل الاعتماد على أموال المقاصة.
صمود الاقتصاد الفلسطيني رغم التحديات
على الرغم من هذه الظروف الصعبة، يصف الدكتور عبد الكريم صمود الاقتصاد الفلسطيني بأنه “استثنائي”. ويعزو هذا الصمود إلى عدة عوامل:
- الدعم الدولي: دور المؤسسات الدولية العاملة في الضفة الغربية في تقديم المساعدات الإنسانية والتنموية.
- قوة القطاع الخاص: متانة بعض شركات القطاع الخاص وقدرتها على الاستمرار في العمل.
- تحويلات المغتربين: تدفق التحويلات المالية من الفلسطينيين العاملين في الخارج.
- فرص العمل في إسرائيل: توفر فرص عمل للفلسطينيين داخل إسرائيل، والتي تعتبر مصدر دخل مهم لبعض الأسر.
ومع ذلك، يؤكد الدكتور عبد الكريم أن هذه العوامل، على الرغم من أهميتها، لم تعد كافية لمعالجة الأزمة المتفاقمة. إنها بمثابة مسكنات مؤقتة وليست حلولاً جذرية. لذلك، يصبح البحث عن بدائل اقتصادية أمرًا حتميًا.
الحل يكمن في الاختراق السياسي
يؤكد الدكتور عبد الكريم أن الخروج من المأزق الاقتصادي الفلسطيني بات مرتبطًا بشكل وثيق بتحقيق اختراق سياسي حقيقي. هذا الاختراق يجب أن يتيح للفلسطينيين بناء اقتصاد مستقل وقادر على المنافسة، بعيدًا عن الهيمنة الإسرائيلية والاعتماد على أموال المقاصة كمنفذ وحيد.
ويحذر من أن استمرار الجمود السياسي الحالي يجعل معالجة الأزمة الاقتصادية مهمة شبه مستحيلة. فالسيطرة الإسرائيلية على مفاصل الاقتصاد الفلسطيني الأساسية، بما في ذلك المعابر، العملة، الضرائب، وحركة الاستيراد والتصدير، تزيد من صعوبة تحقيق أي تقدم اقتصادي حقيقي.
مستقبل الاقتصاد الفلسطيني: نظرة متفائلة بحذر
في الختام، يمكن القول أن مستقبل الاقتصاد الفلسطيني يظل معلقًا إلى حد كبير على التطورات السياسية. على الرغم من الصمود الاستثنائي الذي أظهره الاقتصاد في ظل الظروف القاسية، إلا أن الاعتماد المستمر على أموال المقاصة يشكل تهديدًا وجوديًا. لذلك، يجب على السلطة الفلسطينية العمل على تعزيز الاستثمار الأجنبي المباشر وتنويع مصادر الدخل، بالإضافة إلى المطالبة بحقوقها المالية المشروعة. كما أن تحقيق تسوية سياسية عادلة وشاملة هو الأساس لبناء اقتصاد فلسطيني مزدهر ومستدام، قادر على توفير حياة كريمة لجميع الفلسطينيين.
نأمل أن يكون هذا التحليل قد قدم نظرة شاملة حول التحديات التي تواجه الاقتصاد الفلسطيني، وأهمية معالجة قضية أموال المقاصة من أجل تحقيق مستقبل أفضل. ندعوكم لمشاركة هذا المقال مع الآخرين لزيادة الوعي حول هذا الموضوع الهام، والتعبير عن تضامنكم مع الشعب الفلسطيني.















