في تطور يكشف عن ديناميكيات معقدة في العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة، أثارت تصريحات حديثة من الحكومة الإسرائيلية تساؤلات حول مستقبل المساعدات الأمريكية لإسرائيل، وارتباطها الوثيق بالسياسات التجارية. فبعد سنوات من الدعم الثابت، يبدو أن واشنطن تستخدم ورقة المساعدات كرافعة ضغط في مفاوضات جمركية مع تل أبيب، وهو ما يضع إسرائيل في موقف تفاوضي هش ويكشف عن اعتمادها الكبير على الدعم الخارجي.
اعتراف ضمني بالربط بين المساعدات والرسوم الجمركية
صحيفة “غلوبس” الإسرائيلية، في تقرير مفصل، سلطت الضوء على هذا التحول، مشيرة إلى أن رد فعل الإدارة الأمريكية على طلبات إسرائيل بتخفيف الرسوم الجمركية كان حاسمًا ومباشرًا. ففي لقاء بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والرئيس دونالد ترامب، جاء الرد الأمريكي على سؤال حول تخفيف الرسوم الجمركية بمثابة تذكير صارخ: “لا تنسوا أننا نمنح إسرائيل مليارات الدولارات سنويًا”. لم يكن هذا مجرد تعليق عابر، بل رسالة واضحة بأن الدعم الأمريكي مشروط.
هذا التلميح الأمريكي تحول، بعد تسعة أشهر، إلى اعتراف عملي من الجانب الإسرائيلي. فقد أعلن نتنياهو في مقابلة مع مجلة “ذي إيكونوميست” عن رغبته في إنهاء الاعتماد على المساعدات الأمريكية خلال العقد القادم. وتصف “غلوبس” هذا الإعلان بأنه محاولة استباقية لتقليل الضغط الأمريكي في المفاوضات الجمركية المستمرة.
ورقة مساومة أم ضرورة مالية؟
المصادر الحكومية الإسرائيلية تؤكد أن الربط بين ملف المساعدات والرسوم الجمركية أصبح واضحًا للجميع. فالجانب الأمريكي يكرر السؤال: “ماذا تريدون، وأنتم تحصلون على مليارات كل عام؟”. ويُقرّ المسؤولون الإسرائيليون بأن تقليص الاعتماد على المساعدات الأمريكية يُستخدم كورقة لتحسين الموقف التفاوضي لإسرائيل، وليس كخيار سيادي مستقل.
لكن، هل هذا التخلي عن المساعدات مجرد مناورة سياسية أم أنه يعكس واقعًا ماليًا صعبًا؟ تُشير “غلوبس” إلى أن هذا الإعلان يخدم بشكل أساسي السردية السياسية للرئيس ترامب، الذي يسعى إلى تقليص المساعدات الخارجية، ويستفيد من تقديم إسرائيل كنموذج لحليف “يتنازل طوعًا عن مليارات الدولارات”، مما يعزز شعاره “أميركا أولًا”.
الفجوة المالية وتداعياتها على المواطن الإسرائيلي
على الرغم من الخطاب السياسي الذي يركز على الاستقلالية، تشير “غلوبس” إلى أن الواقع المالي الإسرائيلي يتناقض مع هذا الطرح. ففي الوقت الذي تتحدث فيه إسرائيل عن التخلي عن مساعدات أمريكية تقدر بنحو 120 مليار شيكل (حوالي 38.15 مليار دولار) خلال عقد، تخطط الحكومة لضخ 250 مليار شيكل (حوالي 79.48 مليار دولار) إضافية في ميزانية الدفاع خلال نفس الفترة.
وتحذر وزارة المالية الإسرائيلية من أن الفجوة الناتجة عن فقدان المساعدات العسكرية الأمريكية لا يمكن تجاوزها دون تحميل المجتمع كلفة مباشرة. وتشير التقديرات إلى أن عجزًا سنويًا بنحو 12 مليار شيكل (حوالي 3.82 مليار دولار) سيتقاسم بين الجيش والموازنة العامة، مما قد يؤدي إلى زيادة الضرائب أو تقليص الإنفاق المدني. وتقدر الوزارة أن تغطية نصف هذا العجز فقط تعادل رفع ضريبة القيمة المضافة بنسبة 1%.
توقيت الإعلان والمفاوضات الجمركية
يأتي إعلان نتنياهو في ذروة المفاوضات مع واشنطن بعد فرض رسوم جمركية بنسبة 15% على الصادرات الإسرائيلية. وتسعى إسرائيل للحصول على إعفاءات قطاعية، لكن هذه المفاوضات تتجاوز التجارة لتشمل ملفات جيوسياسية أوسع، مثل الملف الإيراني والوضع في غزة. ويبدو أن هناك اعترافًا رسميًا بالترابط بين هذه القضايا المختلفة.
تاريخ من الاعتماد على الدعم الأمريكي
منذ عام 1985، تحولت المساعدات الأمريكية إلى منحة ثابتة بقيمة 3 مليارات دولار سنويًا. وفي عام 2016، تم تعزيز هذا الاتفاق مع إدارة باراك أوباما ليصبح 3.3 مليار دولار سنويًا للتسليح، بالإضافة إلى 500 مليون دولار للدفاع الجوي حتى عام 2028. هذا التاريخ الطويل من الاعتماد على الدعم الأمريكي يوضح مدى أهمية هذه المساعدات للاقتصاد الإسرائيلي.
خلاصة: ضغوط أمريكية وتناقضات داخلية
في الختام، تؤكد “غلوبس” أن الحديث عن التخلي عن المساعدات الأمريكية لا يعكس قوة اقتصادية أو استقلالية استراتيجية، بل يكشف عن ضغوط أمريكية متزايدة، وتناقضات داخلية عميقة، ومسار تفاوضي تُدفع فيه إسرائيل إلى تقديم تنازلات مالية طويلة الأمد مقابل تخفيف فوري في كلفة الرسوم الجمركية. ويبقى السؤال: هل ستتمكن إسرائيل من تحقيق التوازن بين الحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة وتلبية احتياجاتها المالية والأمنية؟ هذا التطور يستدعي متابعة دقيقة وتحليل معمق لفهم تداعياته على مستقبل العلاقة بين البلدين وعلى السياسة الإسرائيلية بشكل عام.
الكلمات المفتاحية الثانوية:
- السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل
- العلاقات الإسرائيلية الأمريكية
- ميزانية الدفاع الإسرائيلية















