في خضم التحديات الاقتصادية التي تواجه سوريا، أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، عن خطوات هامة تهدف إلى استقرار الوضع المالي وتعزيز الاقتصاد الوطني. وتأتي في مقدمة هذه الخطوات إصدار العملة السورية الجديدة وحذف الصفرين، وهي إجراءات تثير تساؤلات حول تأثيرها الفعلي على المواطنين والاقتصاد بشكل عام. يهدف هذا المقال إلى تحليل هذه الإجراءات، وتوضيح رؤية المصرف المركزي، واستعراض الخطوات الأخرى المتخذة لتحسين الأوضاع الاقتصادية في سوريا.
إصدار العملة الجديدة وحذف الصفرين: دوافع وأهداف
أكد الحصرية أن إصدار العملة السورية الجديدة وحذف الصفرين هو إجراء فني بحت يهدف إلى تبسيط المعاملات المالية وتسهيل عمليات البيع والشراء. وأوضح أن هذا الإجراء لا يهدف إلى تغيير القيمة الحقيقية لليرة السورية، بل إلى إعادة هيكلة النظام النقدي.
في السابق، كان حجم الكتلة النقدية في سوريا غير واضح المعالم، حيث تشير دفاتر المصرف المركزي إلى وجود 42 تريليون ليرة سورية، ولكن لا أحد كان يعرف على وجه الدقة أين تقع هذه الأموال بعد الحرب وتداعياتها. إصدار العملة الجديدة سيساعد المصرف المركزي على تكوين صورة واضحة عن الكتلة النقدية المتداولة، وبالتالي وضع سياسة نقدية أكثر فعالية.
تأثير الإصدار الأولي والاستقرار الحالي
لاحظ المصرف المركزي انتعاشًا في سعر الليرة السورية بعد إصدار العملة الجديدة، لكن هذا الانتعاش لم يستمر بسبب القلق الذي انتاب المواطنين حول آلية استبدال العملة القديمة بالجديدة. هذا القلق أدى إلى تباطؤ في التداول بالعملة الجديدة، مما أثر على استقرار سعر الصرف. ومع ذلك، يركز المصرف المركزي حاليًا على تحقيق الاستقرار السعري، ويعتبر ذلك أولوية قصوى.
معالجة التضخم واستعادة الثقة بالليرة
أشار الحصرية إلى أن التضخم في سوريا وصل إلى مستويات مرتفعة جدًا قبل اندلاع الأزمة، حيث بلغ 170% في عام 2011. ولكن، بعد التحرير، شهد التضخم تراجعًا ملحوظًا نتيجة لفتح باب الاستيراد وزيادة المعروض من السلع، مما أدى إلى انخفاض الأسعار. كما تحسن سعر الصرف بنسبة تقدر بحوالي 30%.
يعتقد المصرف المركزي أن العودة إلى التداول بالليرة السورية ووقف تسعير السلع والخدمات بالدولار يلعب دورًا هامًا في كبح جماح ارتفاع الأسعار. بالإضافة إلى ذلك، يشدد المصرف على ضرورة مكافحة المضاربة على العملات، التي يعتبرها مخالفة للقانون. ويؤكد أن المصرف المركزي لديه الأدوات اللازمة للتعامل مع المضاربين، بما في ذلك خفض سعر صرف العملات الأجنبية لإلحاق الخسائر بهم.
العودة إلى نظام سويفت والتعاون المصرفي الدولي
تعتبر العودة إلى نظام سويفت (SWIFT) خطوة حاسمة في دمج الاقتصاد السوري في النظام الاقتصادي العالمي. ولكن، الحصرية أكد أن العودة إلى سويفت ليست كافية بذاتها. يتطلب الأمر أيضًا إقناع المجتمع الدولي بأن سوريا ملتزمة بأنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
أهمية الالتزام بالمعايير الدولية
الالتزام بهذه المعايير هو ما سيحدد سرعة وصول التحويلات المالية إلى سوريا. ففي حين أن بعض الدول تسمح بوصول التحويلات في غضون دقائق، قد تستغرق دول أخرى شهورًا لإتمام هذه العملية. لذلك، يولي المصرف المركزي أهمية كبيرة لتعزيز التعاون مع الجهات المصرفية الدولية، ويسعى إلى بناء الثقة في النظام المصرفي السوري.
في هذا السياق، أعلن الحصرية أن المصرف المركزي سيشارك في الاجتماعات السنوية لنظام سويفت العالمي (سايبوس) بالإضافة إلى اجتماعات مع جهات مصرفية دولية في تركيا وبريطانيا وكندا. كما كشف عن أن شركة “ماستر كارد” ستفتتح مكتبًا لها في سوريا في شهر مارس/آذار المقبل، مما يعكس تحسنًا في العلاقات المصرفية الدولية.
استراتيجية الدفع الإلكتروني وتطوير البنية التحتية
يعمل المصرف المركزي على تطوير استراتيجية شاملة للرقمنة وتطوير نظام المدفوعات في سوريا. تهدف هذه الاستراتيجية إلى تسهيل المعاملات المالية، وتقليل الاعتماد على النقد، وتعزيز الشفافية في النظام المالي.
سيتم منح التراخيص اللازمة للشركات التي ترغب في تقديم خدمات الدفع الإلكتروني في سوريا. ولكن، إرساء نظام دفع إلكتروني فعال يتطلب بنية تحتية متينة، وهو ما يعمل عليه المصرف المركزي حاليًا. إن تطوير هذا النظام سيساهم بشكل كبير في تحسين بيئة الأعمال، وتشجيع الاستثمار، وتعزيز النمو الاقتصادي. العملة السورية الجديدة ستكون جزءًا أساسيًا من هذه المنظومة الرقمية.
الخلاصة
إن الخطوات التي يتخذها المصرف المركزي السوري، وعلى رأسها إصدار العملة السورية الجديدة، تمثل محاولة جادة لمعالجة التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد. بالإضافة إلى ذلك، فإن التركيز على استقرار سعر الصرف، ومكافحة التضخم، والعودة إلى نظام سويفت، وتطوير نظام الدفع الإلكتروني، كلها خطوات إيجابية تساهم في بناء اقتصاد سوري أكثر قوة ومرونة. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الإجراءات يتوقف على مدى التزام الحكومة السورية بالمعايير الدولية، وتعزيز الثقة في النظام المالي، وتحسين بيئة الأعمال. نأمل أن تشكل هذه الخطوات بداية لمرحلة جديدة من الاستقرار والازدهار في سوريا.


