في ظل التحولات الاقتصادية والسياسية العالمية المتسارعة، تشهد العاصمة الصينية بكين إقبالاً لافتاً من قادة غربيين يسعون إلى إعادة تقييم وتعزيز علاقاتهم مع الصين. هذا التوجه يعكس قلقاً متزايداً بشأن التهميش المحتمل في ظل إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي، خاصةً بعد السياسات التجارية التي انتهجها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. وتُعد هذه الزيارات المتلاحقة مؤشراً على أهمية العلاقات الصينية الغربية في المرحلة الراهنة، وتأثيرها على مستقبل الاقتصاد العالمي.
موجة الزيارات الغربية إلى بكين: دوافع وتوقيت
يشهد العام 2026 بداية قوية من ناحية الدبلوماسية الغربية تجاه الصين. فبعد فترة من التوتر والتردد، بدأت تظهر رغبة حقيقية في الحوار والتعاون. زيارة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى الصين مؤخراً، والتي وصفها بأنها بداية شراكة استراتيجية جديدة، كانت بمثابة نقطة تحول. وتأتي هذه الزيارة بعد ثماني سنوات من الغياب على مستوى رؤساء الوزراء الكنديين، مما يؤكد على أهمية إعادة بناء الثقة.
وبشكل مشابه، استقبل الرئيس الصيني لي جاي ميونغ، رئيس كوريا الجنوبية، في أول زيارة لرئيس كوري جنوبي إلى الصين منذ عام 2019. كما يستعد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لزيارة بكين، وهي الأولى منذ عام 2018، بهدف دعم الشركات البريطانية. ومن المتوقع أيضاً وصول المستشار الألماني فريدريش ميرتس في شهر فبراير القادم.
هذا الاندفاع الدبلوماسي ليس عشوائياً، بل يأتي بعد هدنة جمركية بين الولايات المتحدة والصين برعاية ترامب، والتي خففت من حدة التوتر بين أكبر اقتصادين في العالم. ويُتوقع أن يلتقي ترامب وشي جين بينغ أربع مرات خلال العام، مما يعزز فكرة إعادة تنظيم العلاقات بين البلدين.
“فومو دبلوماسي” وخشية الغرب من التهميش
يصف الباحث في معهد سياسات جمعية آسيا، نيل توماس، الوضع الحالي بأنه “فومو دبلوماسي” (Fear Of Missing Out) في العالم الغربي. ويشير إلى أن أسلوب ترامب يدفع القادة الغربيين إلى السعي للتواصل مع الصين خوفاً من استبعادهم من أي اتفاقيات أو ترتيبات جديدة. هذا الخوف من التهميش يدفعهم إلى إعادة تقييم استراتيجياتهم والبحث عن فرص جديدة للتعاون مع بكين. التعاون الاقتصادي أصبح ضرورة ملحة للعديد من الدول الغربية في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها.
المعادن النادرة والملفات التجارية: محاور رئيسية في المحادثات
لا تقتصر الزيارات الغربية إلى بكين على الجانب السياسي فحسب، بل تتضمن أيضاً ملفات اقتصادية وتجارية مهمة. أحد أبرز هذه الملفات هو قضية المعادن النادرة، التي تسيطر الصين على سلاسل توريدها عالمياً. فقد وافقت بكين على تعليق تشديد قيود التصدير على بعض هذه المعادن لمدة عام، وهو ما يمثل خطوة إيجابية نحو ضمان استمرار الوصول إلى هذه الموارد الحيوية.
بالإضافة إلى ذلك، تسعى بكين إلى تخفيف الرسوم الجمركية التي فرضتها بعض الدول الغربية على المنتجات الصينية، وخاصة السيارات الكهربائية. فقد بدأت محادثات بين كندا والصين حول تخفيف الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية مقابل تخفيف القيود على صادرات الكانولا الكندية. كما يدرس الاتحاد الأوروبي استبدال الرسوم المفروضة على السيارات الكهربائية الصينية بأسعار دنيا، في محاولة لإنهاء النزاع التجاري القائم. هذه المفاوضات تعكس الرغبة المتبادلة في إيجاد حلول عملية تعزز التجارة الدولية.
تحديات مستمرة ومقاربة براغماتية
على الرغم من التقدم المحرز في بعض الملفات، لا تزال هناك تحديات قائمة في العلاقات الصينية الغربية. فقد أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن قلقه بشأن فائض الصادرات الصينية، واصفاً إياه بأنه مسألة “حياة أو موت” للصناعة الأوروبية. كما أن مشروع السفارة الصينية الجديدة في لندن لا يزال يثير جدلاً في بريطانيا.
ومع ذلك، يبدو أن معظم الحكومات الغربية تتجه نحو مقاربة براغماتية، تركز على تحقيق مصالحها الاقتصادية والسياسية من خلال الحوار والتعاون مع الصين. فقد أشار ألكسندر دوكالسكس، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة دبلن، إلى أن العديد من القادة سيخلصون إلى أنهم بحاجة إلى الحفاظ على علاقات مقبولة مع الصين، في ظل تصرف أمريكي يتسم بالتقلب.
“دبلوماسية الأرض الصينية” واستراتيجية بكين الجديدة
مع تراجع سفر الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الخارج، اعتمدت الصين استراتيجية جديدة أطلق عليها “دبلوماسية الأرض الصينية”، حيث يُطلب من القادة الأجانب القدوم إلى بكين. هذه الاستراتيجية تعكس رغبة الصين في التحكم في مسار الحوار وتحديد جدول الأعمال.
بالنسبة لبكين، تمثل هذه الزيارات فرصة لتعزيز موقعها في نظام عالمي يعاد تشكيله، بينما تتغير حسابات الشركاء واحدًا تلو الآخر. وتسعى الصين إلى إيجاد محركات جديدة للنمو الاقتصادي، وتأمين وصولها إلى الموارد الحيوية، وتعزيز نفوذها السياسي في العالم. الاستثمارات الصينية في الخارج تلعب دوراً هاماً في تحقيق هذه الأهداف.
في الختام، يمكن القول أن موجة الزيارات الغربية إلى بكين تمثل علامة فارقة في العلاقات الصينية الغربية. وتعكس هذه الزيارات رغبة حقيقية في الحوار والتعاون، ولكنها تأتي أيضاً مع تحديات ومخاوف. سيكون من المثير للاهتمام متابعة تطورات هذه العلاقات في الأشهر والسنوات القادمة، وتأثيرها على مستقبل النظام العالمي. هل ستنجح الصين في تعزيز موقعها كقوة عالمية صاعدة؟ وهل ستتمكن الدول الغربية من تحقيق مصالحها من خلال الحوار والتعاون مع بكين؟ الإجابة على هذه الأسئلة ستتحدد في ضوء التطورات السياسية والاقتصادية القادمة.















