في عالم الطاقة المتسارع، أصبحت التكنولوجيا حجر الزاوية في تحقيق الكفاءة والابتكار. وتبرز الذكاء الاصطناعي كأداة محورية في هذا التحول، حيث تستثمر شركة أرامكو السعودية بكثافة في تطبيقاته المتنوعة. كشف الرئيس وكبير الإداريين التنفيذيين في أرامكو، أمين الناصر، مؤخرًا عن تفاصيل مثيرة حول استراتيجية الشركة في تبني هذه التقنية الثورية، مع التركيز بشكل خاص على قطاعات التكرير والتوزيع. هذا التحول الرقمي ليس مجرد تحديث للعمليات، بل هو استثمار استراتيجي يهدف إلى تعزيز مكانة أرامكو كشركة طاقة عالمية رائدة.

أرامكو والذكاء الاصطناعي: قصة نجاح متصاعدة

شهدت القيمة التي حققتها أرامكو من خلال تطبيق الذكاء الاصطناعي نموًا هائلاً في السنوات الأخيرة. ففي حين كانت لا تتجاوز 300 مليون دولار في السابق، قفزت إلى 6 مليارات دولار خلال عامي 2023 و 2024 وحدهما. هذا الارتفاع الملحوظ يعكس مدى فعالية هذه التقنية في تحسين الأداء وتقليل التكاليف وزيادة الإنتاجية في مختلف جوانب عمليات الشركة.

أكد الناصر خلال مشاركته في جلسة حول الذكاء الاصطناعي ضمن فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، على أهمية جودة البيانات كعنصر أساسي لنجاح تطبيقات الذكاء الاصطناعي. فبدون بيانات دقيقة وموثوقة، لا يمكن للأنظمة الذكية أن تقدم تحليلات دقيقة أو اتخاذ قرارات فعالة.

التركيز على التكرير والتوزيع

على الرغم من الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في جميع قطاعات أرامكو، إلا أن الناصر أوضح أن الشركة تستفيد منه بشكل أكبر في قطاعي التكرير والتوزيع. يعزى هذا إلى إمكانات الذكاء الاصطناعي الهائلة في تحسين العمليات، والتنبؤ بالطلب، وتحسين كفاءة سلسلة التوريد، وتقليل الهدر.

على سبيل المثال، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين جداول الصيانة في مصافي التكرير، مما يقلل من فترات التوقف غير المخطط لها ويزيد من الإنتاجية. كما يمكن استخدامه لتحسين مسارات توزيع المنتجات النفطية، مما يقلل من تكاليف النقل ويضمن وصول المنتجات إلى العملاء في الوقت المناسب.

الاستثمار في رأس المال الجريء والابتكار التكنولوجي

لم تكتفِ أرامكو بتطبيق الذكاء الاصطناعي في عملياتها الحالية، بل سعت أيضًا إلى تطوير تقنيات جديدة من خلال الاستثمار في رأس المال الجريء. وأشار الناصر إلى أن وجود ذراع مخصص للشركة في هذا المجال كان حاسمًا في تطوير هذه التقنيات.

هذا الاستثمار الاستباقي يسمح لأرامكو بالوصول إلى أحدث الابتكارات في مجال الذكاء الاصطناعي، وتطوير حلول مخصصة لتلبية احتياجاتها الخاصة. بالإضافة إلى ذلك، يتيح لها الاستفادة المادية من هذه التطورات، وتحويل الأبحاث والتطوير إلى منتجات وخدمات قابلة للتسويق.

توقعات مستقبلية واعدة

تتطلع أرامكو إلى نشر أرقام عام 2025 في الشهر القادم، مع توقعات بتحقيق وفورات وقيمة مضافة إضافية تتراوح بين 3 و 5 مليارات دولار. هذه التوقعات الطموحة تعكس ثقة الشركة في قدرة الذكاء الاصطناعي على تحقيق المزيد من التحسينات في الأداء والكفاءة.

بالإضافة إلى ذلك، تمتلك أرامكو مشاريع قيد الإنشاء بقيمة 100 مليار دولار، ويؤكد الناصر أن دمج الذكاء الاصطناعي في هذه المشاريع سيخلق قيمة مضافة كبيرة. وتستهدف الشركة في المرحلة المقبلة تحقيق عمليات ذاتية التشغيل، مع الالتزام الصارم بمعايير السلامة.

تأثير الذكاء الاصطناعي على الاستكشاف والإنتاج

على الرغم من التركيز الأكبر على التكرير والتوزيع، إلا أن الذكاء الاصطناعي أحدث أيضًا تأثيرًا ملحوظًا في قطاعي الاستكشاف والإنتاج. فقد أدى استخدامه إلى زيادة إنتاجية بعض الآبار بنسبة تصل إلى 40%، وتحسين دقة تحديد المناطق الإنتاجية إلى أكثر من 90%.

هذه التحسينات تساهم بشكل كبير في خفض التكاليف، وتقليل الانبعاثات، وتعزيز الموثوقية التشغيلية. فمن خلال تحليل البيانات الجيولوجية والجيوفيزيائية، يمكن للذكاء الاصطناعي تحديد أفضل المواقع لحفر الآبار، وتحسين استراتيجيات الإنتاج، وتقليل المخاطر.

بناء القدرات البشرية: أساس النجاح

أكد الناصر أن نجاح الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على العتاد التقني، بل أيضًا على جودة البيانات وبناء المواهب. ولذلك، تستثمر أرامكو بشكل كبير في تدريب وتطوير موظفيها، وتعمل على جذب أفضل الكفاءات في مجال الذكاء الاصطناعي.

تمتلك أرامكو حاليًا 6,000 متخصص في مجال الذكاء الاصطناعي، وتسعى إلى زيادة هذا العدد في المستقبل. هذا الفريق المتخصص هو المسؤول عن تطوير وتنفيذ تطبيقات الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء الشركة، وضمان تحقيق أقصى استفادة من هذه التقنية الثورية. كما أن الاستثمار في تحليل البيانات و التعلم الآلي يعتبر جزءًا لا يتجزأ من هذه الاستراتيجية.

في الختام، يمثل تبني أرامكو للذكاء الاصطناعي تحولًا استراتيجيًا يهدف إلى تعزيز مكانتها كشركة طاقة عالمية رائدة. من خلال الاستثمار في التكنولوجيا، وبناء القدرات البشرية، والتركيز على جودة البيانات، فإن أرامكو مهيأة لتحقيق المزيد من النجاحات في المستقبل، والمساهمة في تطوير قطاع الطاقة العالمي. ندعوكم لمتابعة آخر التطورات في هذا المجال، والتفاعل مع أرامكو لمعرفة المزيد عن مبادراتها في مجال الذكاء الاصطناعي.

شاركها.
اترك تعليقاً