بعيدًا عن كراكاس بآلاف الكيلومترات، أثارت خطوات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب تجاه فنزويلا، وخاصةً محاولات الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو من خلال ما يُعرف بـ”الإكراه الاقتصادي”، موجة قلق واسعة النطاق. هذا القلق لم يقتصر على فنزويلا نفسها، بل تعداه ليشمل دولًا صغيرة تعتمد بشكل كبير على استقرار النظام الدولي وقواعده لضمان أمنها وازدهارها. هذه القضية تثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل العلاقات الدولية والاعتماد على القانون في حل النزاعات.

قلق سنغافورة: انعكاس لمخاوف الدول الصغيرة

سنغافورة، الدولة المدينة الآسيوية التي تعتبر مركزًا ماليًا وتجاريًا عالميًا، كانت من أوائل الدول التي عبرت عن قلقها بشكل صريح. لم ترَ سنغافورة الأمر مجرد قضية فنزويلية داخلية، بل اعتبرته تقويضًا لأساسيات العلاقات الدولية التي بنيت على احترام السيادة والالتزام بالقانون.

وفقًا لتقرير وكالة بلومبيرغ، رأت سنغافورة أن التدخل الأمريكي في فنزويلا يمثل “قلقًا وجوديًا” للدول الصغيرة. هذه الدول غالبًا ما تفتقر إلى القوة العسكرية الكبيرة أو الموارد الطبيعية الوفيرة، وبالتالي تعتمد بشكل أساسي على احترام القانون الدولي لضمان بقائها وحماية مصالحها.

لماذا يمثل هذا القلق تهديدًا حقيقيًا؟

ازدهرت سنغافورة في ظل النظام العالمي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، وهو نظام يركز على التعاون الدولي والقواعد المتفق عليها. ولهذا، فإن أي تقويض لهذا النظام يضع الدول الصغيرة أمام واقع جديد، واقع تهيمن عليه موازين القوى وتجاهل القواعد، مما يجعلها أكثر عرضة للابتزاز والتدخلات الخارجية. هذا التغيير في طبيعة العلاقات الدولية يهدد بشكل مباشر استقرار هذه الدول ومستقبلها.

“إذا كان هذا هو العالم فلدينا مشكلة” – تحذير سنغافوري

عبّر وزير الدولة الأول السنغافوري، لي هسين لونغ، عن هذا القلق بوضوح خلال منتدى لمعهد “آي سياس- يوسف إسحاق”. قال لونغ: “من وجهة نظر دولة صغيرة، إذا كان هذا هو الأسلوب الذي يعمل به العالم، فلدينا مشكلة”.

وأكد أن سنغافورة تعارض بشكل قاطع التدخلات التي تنتهك القانون الدولي، مستشهدًا بأمثلة تاريخية مثل التدخل الأمريكي في غرينادا عام 1983، بالإضافة إلى الحرب الروسية الأوكرانية. هذه الإشارة إلى أمثلة متنوعة تؤكد أن القلق لا يتعلق بدولة معينة أو نظام سياسي معين، بل يتعلق بمبدأ أساسي وهو احترام سيادة الدول.

الواقعية السياسية والبراغماتية: نهج سنغافورة

على الرغم من اللهجة التحذيرية، أقرّ لي بأن هذا النمط من السلوك الدولي ليس جديدًا. وأشار إلى أن “العالم كان هكذا إلى حد ما دائمًا…الولايات المتحدة فعلت ذلك مرات عديدة، وقوى أخرى تفعل الشيء نفسه”.

هذا الاعتراف بالواقع يوضح أن سنغافورة لا تعيش في عالم مثالي، بل تدرك أن السياسة الدولية غالبًا ما تحكمها المصالح والقوة. ولكن هذا لا يعني الاستسلام أو التخلي عن المبادئ. بدلاً من ذلك، شدد لي على أن الدول الصغيرة لا تملك رفاهية تجاهل الواقع، بل يجب عليها الجمع بين الموقف المبدئي والبراغماتية السياسية.

تعزيز القدرات الداخلية والشراكات الخارجية

تؤمن سنغافورة بأن تحقيق هذا التوازن يتطلب اقتصادًا قويًا وقوات مسلحة ذات مصداقية. ولهذا، تنفق الدولة حوالي 3% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، بالإضافة إلى بناء شراكات إقليمية ودولية واسعة. هذه الشراكات لا تهدف فقط إلى تعزيز الأمن، بل أيضًا إلى زيادة النفوذ السياسي والاقتصادي لسنغافورة في الساحة الدولية.

ما بعد فنزويلا: تحول قواعد اللعبة

الخلاصة التي توصلت إليها بلومبيرغ هي أن موقف سنغافورة لا يتعلق بالدفاع عن فنزويلا بقدر ما يعكس خوفًا أوسع لدى الدول الصغيرة من تحول “الإكراه الاقتصادي” والتدخل المباشر إلى قاعدة مقبولة في السياسة الدولية. هذا التحول يهدد بتقويض النظام العالمي القائم على القواعد، ويفتح الباب أمام فوضى وعدم استقرار.

عندما تتآكل القواعد التي تنظم العلاقات بين الدول، تصبح الخسارة جماعية، وتمتد آثارها إلى كل من بنى استقراره على افتراض أن القانون الدولي ما زال يشكل مظلة مشتركة، لا أداة انتقائية بيد الأقوى. إن الحفاظ على هذا القانون وتقويته هو مصلحة مشتركة لجميع الدول، وخاصةً الدول الصغيرة التي تعتمد عليه بشكل أكبر.

في النهاية، تثير قضية فنزويلا تساؤلات مهمة حول مستقبل النظام العالمي ودور القانون الدولي في حل النزاعات. إن موقف سنغافورة يمثل صوتًا مهمًا للدول الصغيرة التي تسعى إلى الحفاظ على الاستقرار والأمن في عالم يزداد تعقيدًا وتهديدًا. يجب على المجتمع الدولي أن يستمع إلى هذه الأصوات وأن يعمل معًا لتعزيز القواعد والقوانين التي تحكم العلاقات بين الدول، قبل أن يصبح “الإكراه الاقتصادي” والتدخل المباشر هما القاعدة وليسا الاستثناء. شارك هذا المقال مع الآخرين لإثارة النقاش حول هذا الموضوع الحيوي.

Keywords Used (and approximate density):

  • النظام الدولي (International Order) – 5 times
  • العلاقات الدولية (International Relations) – 3 times
  • القانون الدولي (International Law) – 3 times
شاركها.
اترك تعليقاً