الجزائر تشهد نقلة نوعية في البنية التحتية: مشروع السكة الحديدية الاستراتيجي في الجنوب الغربي يفتح آفاقًا جديدة للتنمية
تترقب الجزائر بفخر واهتمام بالغين تدشين أحد أهم مشاريعها الاستراتيجية في مجال البنية التحتية، وهو مشروع السكة الحديدية الذي يمتد عبر الجنوب الغربي للبلاد. هذا المشروع الضخم، الذي يعد من أكبر مشاريع السكك الحديدية في أفريقيا، ليس مجرد خطوط حديدية، بل هو شرايين تنمية جديدة ستضخ الحياة في المنطقة وتساهم في تنويع الاقتصاد الوطني. يمثل هذا الإنجاز خطوة حاسمة نحو تحقيق رؤية الجزائر 2030 لتطوير شبكة السكك الحديدية وتوسيعها لتصل إلى 15 ألف كيلومتر، مما يعزز الربط بين مختلف مناطق البلاد ويدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي. هذا المشروع الجديد للسكك الحديدية يربط ولاية بشار بغار جبيلات في تندوف، ويمثل نقطة تحول في استغلال الثروات الطبيعية للجزائر.
## مشروع السكة الحديدية: تفاصيل ومسار حيوي
يمتد خط السكة الحديدية الجديد على مسافة 950 كيلومترًا، انطلاقًا من ولاية بشار، التي أصبحت نقطة وصل حيوية مع الشبكة الوطنية للسكك الحديدية، وصولًا إلى منطقة غار جبيلات الغنية بالحديد في ولاية تندوف. وضع الرئيس عبد المجيد تبون حجر الأساس لهذا المشروع في نوفمبر 2023، مؤكدًا على أهميته في ربط منجم غار جبيلات، الذي يحتوي على احتياطيات تقدر بـ 3.5 مليارات طن من الحديد، بمراكز التصنيع والتصدير.
على الرغم من عدم الإفصاح عن التكلفة الإجمالية للمشروع بشكل رسمي، تشير التقديرات إلى أنها تتجاوز 700 مليار دينار جزائري (حوالي 5.2 مليار دولار أمريكي). ينقسم المشروع إلى ثلاثة مقاطع رئيسية، نفذته شركات جزائرية متخصصة في البنية التحتية بالتعاون مع شركة “سي آر سي سي” الصينية:
### المقطع الأول: بشار – بني عباس
يمتد هذا المقطع على مسافة 200 كيلومتر، ويربط مدينة بشار بحدود الولاية مع بني عباس. يتضمن المقطع محطتين رئيسيتين في العبادلة وحماقير، مما يسهل حركة الركاب والبضائع في هذه المنطقة.
### المقطع الثاني: تندوف – أم لعسل
يبلغ طول هذا المقطع 175 كيلومترًا، ويربط تندوف بأم لعسل. يضم هذا الجزء محطة في أم لعسل، بالإضافة إلى محطتين مخصصتين لنقل المسافرين والبضائع في مدينة تندوف.
### المقطع الثالث: حماقير – غار جبيلات
يعتبر هذا المقطع الأكثر تعقيدًا، حيث ينقسم إلى جزأين. الجزء الأول يمتد من حماقير (نقطة الكيلومتر 200) إلى أم لعسل، بمسافة 440 كيلومترًا، ويتضمن محطتين في تبلبالة وحاسي خبي. أما الجزء الثاني، فيمتد من تندوف باتجاه غار جبيلات على مسافة 135 كيلومترًا، ويضم محطة واحدة في غار جبيلات.
## إنجازات هندسية وتأثيرات اقتصادية واجتماعية
يتميز مشروع السكة الحديدية بتضمينه 1431 منشأة فنية، بما في ذلك 45 جسرًا للسكك الحديدية و48 جسرًا للطرقات، بالإضافة إلى 1338 منشأة مخصصة للري لحماية المسار من الفيضانات المحتملة في المناطق الصحراوية. أبرز هذه المنشآت هو جسر السكة الحديدية فوق وادي “الداورة” في ولاية تندوف، والذي يعتبر الأطول في الجزائر وأفريقيا، حيث يبلغ طوله 4.1 كيلومترات وارتفاعه 12 مترًا.
بفضل تسريع وتيرة العمل واعتماد نظام العمل المتواصل على مدار 24 ساعة بمشاركة أكثر من 8 آلاف عامل، تم الانتهاء من إنجاز المنشآت بين شهري يوليو 2024 ونوفمبر 2025، مما سمح ببدء التشغيل الفعلي للخط في يناير من هذا العام، متجاوزًا بذلك الموعد المحدد سابقًا في يونيو 2026.
ويرى الخبراء الاقتصاديون أن هذا الإنجاز يمثل علامة فارقة في مسيرة التنمية بالجزائر. فقد أكد الخبير الاقتصادي أحمد الحيدوسي أن الأهمية الاستراتيجية للمشروع دفعت الحكومة إلى بذل جهود مضاعفة لإتمام البنية التحتية اللازمة، بالاعتماد على شراكات قوية وتقنيات حديثة. وأضاف أن إنجاز المشروع بكفاءة محلية في منطقة صحراوية صعبة يعكس القدرات والإمكانيات المتزايدة للعامل الجزائري.
## السكة الحديدية و مستقبل الاقتصاد الجزائري
إن مشروع السكة الحديدية ليس مجرد وسيلة نقل، بل هو أداة سيادية لتعزيز الاستقلال الاقتصادي للجزائر. فقد أوضح الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي أن المشروع ينهي عزلة ولاية تندوف ومنجمها غار جبيلات، ويساهم في إنشاء قطب منجمي ولوجستي عالمي المستوى. كما يضمن استغلالًا صناعيًا فعالًا للحديد، حيث تقدر تكاليف النقل الجديدة بربع التكلفة مقارنة بالشحن التقليدي بالشاحنات.
بالإضافة إلى ذلك، سيمثل هذا المشروع قاطرة للتنمية في المنطقة، وسيعزز الديناميكية الاقتصادية والاجتماعية لصالح السكان المحليين. كما سيساهم في تعزيز مكانة الجزائر التنافسية في الأسواق الأفريقية، خاصة مع اكتمال طريق “تندوف (الجزائر)/ الزويرات (موريتانيا)” والمنطقة الحرة.
ويشير أستاذ الاقتصاد فارس هباش إلى أن المشروع يقلل بشكل كبير من تكلفة إنتاج ونقل خام الحديد، مما يعزز الجدوى الاقتصادية للاستثمار المنجمي على المدى الطويل. كما يساهم في تنويع الاقتصاد الوطني وتقليص الاعتماد على المحروقات، من خلال دعم التصنيع المحلي وتنشيط الصناعات التحويلية.
باختصار، يمثل مشروع السكة الحديدية في الجنوب الغربي استثمارًا استراتيجيًا طويل الأجل، سيساهم في تحقيق قفزة نوعية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للجزائر، ويدعم مكانتها كقوة إقليمية وصاعدة في مجال الصناعة والتجارة العالمية. ومن المتوقع أن يستمر هذا المشروع في جذب الاستثمارات وتحقيق عائدات كبيرة للبلاد في السنوات القادمة، مما يعزز رؤية الجزائر نحو مستقبل أكثر ازدهارًا واستدامة.















